وطنا اليوم _
بقلم: حسن علي الزوايدة
لا يختلف اثنان على أهمية القيم الدينية في حياة الإنسان، فهي تمثل منظومة أخلاقية وروحية تشكل وجدان الفرد وتوجه سلوكه نحو الخير والفضيلة. غير أن هذه القيم تظل علاقة خاصة بين الإنسان وربه، تتجلى في دور العبادة وفي السلوك الإنساني اليومي، بعيداً عن التوظيف السياسي أو الاستغلال الحزبي.
إن تحويل الدين إلى أداة للعمل السياسي من خلال أحزاب تقوم على مرجعيات دينية أو عقائدية يفتح الباب أمام خلطٍ خطير بين المقدس والبشري، ويمنح بعض القوى السياسية فرصة لإضفاء هالة من الشرعية الدينية على برامجها ومواقفها، بما يؤثر على حرية الاختيار لدى المواطنين ويجعل المنافسة السياسية غير قائمة على البرامج والكفاءة، بل على استثمار المشاعر الدينية وتوجيهها لخدمة أهداف حزبية.
كما أن شرعنة الأحزاب القائمة على أسس عقائدية قد تؤدي إلى تعميق الانقسامات داخل المجتمع، وتغذية حالة الاستقطاب الفكري والثقافي، الأمر الذي يهدد وحدة النسيج الوطني ويخلق بيئة خصبة للتصادم الفكري والحضاري. فالدولة الحديثة تقوم على مفهوم المواطنة المتساوية، حيث يتساوى الجميع في الحقوق والواجبات دون تمييز على أساس الدين أو المعتقد أو الانتماء الفكري.
لقد أثبتت تجارب عديدة أن المجتمعات التي تنغلق على ذاتها وتتبنى خطاباً إقصائياً تجد نفسها عاجزة عن مواكبة التطور، في حين أن الانفتاح على الآخر، واحترام التعددية، وتعزيز قيم الحوار والتسامح، هي الركائز الأساسية لتحقيق التنمية والاستقرار والازدهار.
ومن هنا فإن التشريعات الناظمة للأحزاب السياسية ينبغي أن تنطلق من مصلحة الوطن العليا، وأن تضمن قيام أحزاب وطنية ذات برامج اقتصادية وتنموية واجتماعية واضحة، قادرة على المنافسة عبر الأفكار والحلول لا عبر استثمار الدين أو العقيدة. فالوطن يحتاج إلى مشاريع تنموية تنهض بالاقتصاد وتوفر فرص العمل وتعزز جودة الحياة، لا إلى صراعات أيديولوجية تستنزف الطاقات وتشتت الجهود.
إن بناء دولة قوية ومجتمع متماسك يتطلب ترسيخ مفهوم المواطنة، وتعزيز الهوية الوطنية الجامعة، وفتح المجال أمام جميع المواطنين للمشاركة في الحياة العامة على أساس الكفاءة والقدرة والعطاء. فالتنمية والرفاهية والتحضر لا يمكن أن تتحقق في بيئة منغلقة أو خاضعة للاستقطاب العقائدي، وإنما في مجتمع يؤمن بالتعددية، ويحترم التنوع، ويضع مصلحة الوطن فوق كل اعتب






