المصري يكتب : الحرية الحقيقية والحرية المزيّفة بين وعي الإنسان وخداع الشعارات

51 دقيقة ago
المصري يكتب : الحرية الحقيقية والحرية المزيّفة بين وعي الإنسان وخداع الشعارات

بقلم : رئيس جمعية اسناد للديمقراطية وحقوق الانسان
الدكتور هشام محَمد المصري
في زمنٍ أصبحت فيه الكلمات تُستهلك بسرعة، بقيت كلمة “الحرية” من أكثر الكلمات حضورًا وإثارة للجدل. الجميع يتحدث عنها، يطالب بها، ويدافع عنها، لكن السؤال الأهم:
هل كل ما يُسمى حرية هو حرية حقيقية فعلًا؟
لقد تحولت الحرية عند بعض الناس من قيمة نبيلة تحفظ كرامة الإنسان إلى شعار فضفاض يُستخدم لتبرير الفوضى والانفلات الأخلاقي والتنصل من المسؤولية. وهنا يظهر الفرق العميق بين الحرية الحقيقية والحرية المزيّفة.
الحرية الحقيقية: وعي ومسؤولية
الحرية الحقيقية ليست أن يفعل الإنسان كل ما يريد دون ضوابط، بل أن يمتلك القدرة على الاختيار الصحيح دون أن يكون عبدًا لشهواته أو غضبه أو تقليده الأعمى للآخرين.
فالإنسان الحر:
يحترم نفسه والآخرين.
يعبر عن رأيه دون إساءة.
يختلف بأدب.
يرفض الظلم دون أن يصبح ظالمًا.
يستخدم حريته لبناء المجتمع لا لهدمه.
الحرية الحقيقية تصنع إنسانًا ناضجًا يعرف أن الحقوق تقابلها واجبات، وأن الكلمة أمانة، وأن التأثير مسؤولية.
الحرية المزيّفة: فوضى بثوب الحرية
أما الحرية المزيّفة فهي تلك التي تُسوّق للإنسان على أنها تحرر بينما هي في الحقيقة نوع جديد من الاستعباد الفكري والسلوكي.
فعندما تتحول الحرية إلى:
إساءة للقيم والمقدسات،
نشر للكراهية،
انحلال أخلاقي،
تنمر إلكتروني،
أو تقليد أعمى لكل ما يُعرض عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل،
فهنا لا نتحدث عن حرية، بل عن فوضى مغطاة بشعارات براقة.
الحرية المزيّفة تجعل الإنسان يظن أنه متحرر، بينما هو في الحقيقة أسير للشهرة، أو الترند، أو ضغط المجتمع، أو الإدمان الرقمي.
الإعلام بين صناعة الوعي وتضليل العقول
يلعب الإعلام اليوم دورًا خطيرًا في تشكيل مفهوم الحرية لدى الشباب.
فهناك إعلام مسؤول يزرع الوعي ويعزز التفكير النقدي ويحترم هوية المجتمع، وهناك إعلام يسعى إلى جذب المشاهدات ولو على حساب القيم والأخلاق.
بعض المنصات تصنع وهم الحرية من خلال الترويج لفكرة:
“افعل ما تشاء دون حدود”
بينما الحقيقة أن المجتمعات لا تُبنى بالفوضى، بل بالحرية الواعية المنضبطة بالقيم والاحترام والمسؤولية.
الشباب والحرية في العصر الرقمي
أصبح الشباب اليوم يعيشون معركة فكرية مفتوحة؛ بين من يدعوهم إلى حرية واعية تبني المستقبل، ومن يدفعهم نحو حرية استهلاكية فارغة تقوم على التقليد والتمرد فقط.
ولذلك فإن أخطر أنواع الاستعمار اليوم ليس احتلال الأرض فقط، بل احتلال العقول وتشويه المفاهيم.
الشاب الواعي ليس من يردد كل ما يسمعه، بل من يميز بين:
حرية التعبير والإساءة،
الانفتاح وفقدان الهوية،
الاستقلال الفكري والانسلاخ عن القيم.
الحرية الحقيقية تبدأ من الداخل
الإنسان الذي لا يستطيع السيطرة على غضبه أو شهوته أو ألفاظه ليس حرًا كما يظن.
فالحرية الحقيقية تبدأ عندما ينتصر الإنسان على ضعفه الداخلي، ويصبح صاحب قرار لا تابعًا للآخرين.
وقد قال الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
“متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا”
لكن الحرية التي قصدها الإسلام كانت دائمًا مرتبطة بالعدل والكرامة والمسؤولية، لا بالفوضى والانفلات.
خاتمة
تبقى الحرية من أعظم القيم الإنسانية عندما تُفهم بصورة صحيحة، لكنها تتحول إلى خطر كبير عندما تُستخدم لهدم الأخلاق والهوية والمجتمع.
نحن اليوم بحاجة إلى جيل يفهم أن:
الحرية ليست صخبًا بلا هدف،
وليست تمردًا على كل شيء،
بل وعيٌ، واحترام، ورسالة، ومسؤولية.
فالحرية الحقيقية تبني الإنسان،
أما الحرية المزيّفة فتستهلكه حتى يفقد نفسه وهو يظن أنه تحرر.