البرفسور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية
لم يكن النقاش حول المياه في الأردن يومًا نقاشًا تقنيًا صرفًا، بل كان دائمًا سؤالًا يتصل بجوهر مؤسسات الدولة نفسها، كيف يمكن لدولة محدودة الموارد المائية أن تبني استقرارها، وتدير نموها، وتحافظ على توازنها في واحدة من أكثر مناطق العالم شحًا وتعقيدًا واضطراباً؟ فالماء في الحالة الأردنية ليس قطاعًا خدميًا فحسب، بل أحد أعمدة الاستقرار الوطني، وعنصر حاسم في قدرة مؤسسات الدولة على الاستمرار بوظيفتها الأساسية.
ومع مرور الوقت، لم تعد القضية مجرد ندرة تقليدية، بل تحولت إلى فجوة مائية هيكلية متفاقمة. الطلب يتجاوز العرض بشكل مستمر، والمياه الجوفية تُستنزف بوتيرة مقلقة، والتغير المناخي يسرّع من تآكل الموارد، فيما يتزايد الضغط السكاني والحضري بشكل غير مسبوق. بهذا المعنى، لم يعد الأردن أمام أزمة ظرفية تُدار بالأدوات التقليدية، بل أمام عجز بنيوي يتطلب تحولًا جذريًا في التفكير والسياسات، حيث لم تعد معادلة الماء مجرد حساب كميات، بل معادلة سيادة واستقرار.
يقف الأردن اليوم عند تقاطع ثلاث حقائق صلبة، فقر مائي شديد، واعتماد جزئي على مصادر عابرة للحدود، ونمو سكاني متسارع. هذه العوامل مجتمعة تنتج حالة من “الهشاشة المائية الاستراتيجية”، تجعل أي اختلال مرشحًا للتحول إلى أزمة وطنية أوسع. ومع استمرار تراجع حصة الفرد، لم يعد ممكنًا الاستمرار بمنهج إدارة الأزمة، بل أصبح لزامًا الانتقال إلى منهج صناعة الحل.
على مدى عقود، انحصر التفكير في إطار “إدارة الندرة”، أي توزيع الموارد المحدودة بكفاءة أعلى. ورغم أهمية هذا النهج تاريخيًا، إلا أنه بقي مقيدًا بحدود الواقع القائم، دون إحداث تحول حقيقي في بنية القطاع. ومع تعاظم التحديات، لم يعد مقبولًا التعامل مع الملف المائي بهذا المنطق أو الطروحات الشعبوية، لأن الدولة التي لا تحسم ملفها المائي، تترك الباب مفتوحًا لأزمة تتراكم بصمت.
من هنا، يبرز مشروع الناقل الوطني كتحول مفاهيمي قبل أن يكون مشروعًا هندسيًا؛ إذ ينقل التفكير من إدارة النقص إلى صناعة القدرة. لم يعد السؤال كيف نُدير الندرة، بل كيف نحوّل الماء إلى عنصر إنتاج، ورافعة للنمو، وأداة لتعزيز الاستقلال. فالمشكلة في الأردن ليست فقط في إنتاج الماء، بل في موقعه الجغرافي مقارنة بمراكز الطلب، ما يجعل نقل المياه خيارًا استراتيجيًا لا يمكن تجاوزه.
وبهذا المعنى، لا يمكن اختزال المشروع كمشروع خدمي، بل هو مشروع سيادي يعيد تشكيل علاقة الدولة بمواردها، ويقلل اعتمادها على الخارج، ويرفع قدرتها على التخطيط طويل الأمد. كما يعيد تموضع الأردن إقليميًا، خاصة في ظل ارتباط جزء من أمنه المائي تاريخيًا بترتيبات خارجية. ومع بناء منظومة تحلية ونقل سيادية من خليج العقبة إلى عمق الجغرافيا الأردنية، ينتقل الأردن من موقع المقيّد إلى موقع الفاعل شبه المستقل.
هذا التحول يمتد ليعيد تشكيل الجغرافيا الاقتصادية والسياسية للدولة، عبر إعادة توزيع الحياة داخل المملكة، وتعزيز دور الدولة كضامن للخدمات الأساسية، وإرسال رسالة داخلية بالقدرة على الإنجاز، ورسالة خارجية بالاستقرار والموثوقية. كما يحمل المشروع بعدًا جيوسياسيًا واضحًا، إذ يعزز قدرة الأردن على تقليل استخدام المياه كورقة ضغط، ويوسع هامش المناورة، ويعزز حضوره في معادلة البحر الأحمر كمجال تنافس دولي. وبذلك، يصبح الماء ليس مجرد مورد، بل أداة سيادية لإعادة التوازن في بيئة إقليمية مضطربة.
ومع ذلك، فإن الدفاع عن المشروع لا يعني تحييده عن النقد. فالمشاريع الكبرى تُقاس بقدرتها على تحمل المساءلة. وهنا تبرز أسئلة جوهرية، هل نموذج التمويل هو الأمثل؟ هل التكلفة مقبولة؟ هل تم تعظيم استخدام الطاقة المتجددة؟ وهل هناك معالجة حقيقية للفاقد المائي (التجربة خلال اكثر من عقد كانت متواضعة، وسبق ان كتبنا عنها في مقال سابق بتاريخ 22/8/2023، تحت عنوان الاردن وخط الفقر المائي، ومقال اخر بتاريخ 1/6/2025 تحت عنوان “لغة الارقام في التصريحات الرسمية 2-3”)، أم أننا سنضخ مياهًا مكلفة في شبكة تعاني من الهدر؟ لأن ذلك سيقوض العائد المتوقع. هذه الأسئلة ليست تشكيكًا، بل شرطًا لنجاح المشروع.
الإشكالية في النقاش العام ليست في اختلاف الآراء، بل في الاستقطاب بين تأييد مطلق ورفض بلا بدائل، بينما المسار الجاد يقر بحقيقتين، المشروع ضرورة استراتيجية لا رجعة عنها، لكنه يحتاج إلى إدارة صارمة وشفافية وتسعير ذكي، لضمان تحقيق أعلى كفاءة.
وفي هذا السياق، تبرز الحوكمة كعنصر حاسم، انسجامًا مع الرؤية الملكية التي تؤكد أن الدولة القوية لا تُبنى دون سيادة القانون والمساءلة. وهذا يعني ان حماية ثقة المواطن بالشفافية والمساءلة، والمكاشفة ليست خيارًا، بل واجب. فنجاح مشروع بهذا الحجم لا يعتمد فقط على التنفيذ الهندسي، بل على كفاءة الإدارة وثقة المواطن بالارقام.
عناصر المشروع رقميًا ثابتة، نحن أمام منظومة تنتج 300 مليون متر مكعب سنويًا، وتُنقل لمسافة 450 كم، وتُضخ إلى ارتفاع يقارب 1100 متر باستخدام طاقة تقدر بحوالي 300 ميغاواط.
في عام 2023، بلغت الكلفة الإجمالية 3.66 مليار دولار، تشمل الأعمال البحرية ومحطة التحلية (~900 مليون دولار)، وخطوط النقل مع التمديد (~1400 مليون دولار)، ومحطة الطاقة (~500 مليون دولار)، والباقي تمويل وتأمين وادارة واحتياطات. ساهمت الحكومة بـ250 مليون دينار، مع 472 مليون دولار منح، و794 مليون دولار قروض تنموية، و1449 مليون دولار قروض استثمارية. وباحتساب إنتاج 9 مليار متر مكعب خلال 30 سنة، إضافة إلى كلف الشبكات (~500 مليون دولار)، تبلغ الكلفة الرأسمالية حوالي 1.35 دولار/م³. أما الكلفة التشغيلية، فتتراوح بين 1.4 – 1.6 دولار/م³، ما يرفع الكلفة الإجمالية إلى 2.7 – 2.9 دولار/م³ن دون احتساب نسبة التضخم (كافة هذه المعطيات، حسب وزارة المياه والرئ في اواخر عام 2023).
لكن وفق التصريحات الاخيرة (بعد توقيع الاتفاقية)، نجد ان الكلفة الراسمالية، بواقع 4.3 مليار دولار، و5.8 مليار مع التمويل، مع مساهمة حكومية 722 مليون دينار، ومنح 663 مليون دولار، والباقي قروض تنموية واستثمارية. كما يبقى غير واضح ما إذا كانت هذه الأرقام تشمل محطة الطاقة (حوالي 500 مليون دولار)، ما يخلق فجوة تستدعي التوضيح، خاصة فيما يتعلق بمكونات الكلفة والتغيرات التصميمية المحتملة.
مما يعني أن كلفة المتر المكعب قد تكون اعلى من الرقم التاشيري المعلن عنه، وان الكلفة الحقيقية قد تصل إلى 3.5 دولار/م³ (التكلفة طويلة الأجل، مع احتساب نسبة التضخم).
وهنا يبرز تساؤل مشروع، لماذا يتم الحديث عن كلفة تأشيرية للمتر المكعب (2.7 دولار) بدل رقم دقيق، يفترض أنه تم تحديده ضمن الوثائق (حددت الكلفة الراسمالية، والديون، والفوائد، وراس المال الاستثماري، ونسب الارباح، وغيرها).
هذه الاختلاف (ما بين عام 2023 و 2026)، يظهر فجوة تستدعي التوضيح، خاصة فيما يتعلق بمكونات الكلفة (محطة التحلية، والضخ، والانابيب، والفوائد، وغيرها)، والتغيرات المحتملة في التصميم أو نموذج التخطيط المتكامل ان حصلت، وهل هناك مبالغ احتياطية.
ومع ذلك، وعند تفكيك بعض عناصر الكلفة، تظهر تساؤلات إضافية؛ على سبيل المثال، تكلفة الأنابيب الحديدية عالميًا حوالي 1500-2000 دولار/متر (حوالي 675 -900 مليون دولار)، أو 900-1000 مليون دولار لانابيب الديكتايل، ومحطات الضخ (~300 مليون دولار)، وتكلفة تمديد الأنابيب، بواقع 1000 دولار لكل متر، حسب تجربة بعض المقاوليين، فتكون (~ 450–500 مليون دولار)، ما يشير إلى فجوة بين التقديرات الفنية وبعض الأرقام المعلنة، وهو ما يستدعي توضيح ذلك في العرض المقدم بمنتهى الشفافية.
وعند مقارنة تكلفة انشاء محطات التحلية، مع التجارب العالمية، مثل محطة الجبيل، التي تنتج 292 م³ في السنة بتكلفة 1 مليار دولار، ومحطة الطويلة، تنتج حوالي 330 م³ في السنة، بتكلفة 874 مليون دولار، ومحطة الفجيرة، تنتج حوالي 381 مليون م³ في السنة، بكلفة حوالي 800 مليون دولار، وغيرها، تبدو فيه الكف قريبة من تكلفة المحطة حسب ارقام وزارة المياه في اواخر عام 2023 (900 مليون دولار).
لكن، نحن على علم، بانه عندما نقارن تكلفة المياه في الأردن مع دول أخرى، فإننا نقارن ما لا يُقارن. فدول العالم تدفع ثمن التحلّية عند مستوى البحر، أما نحن فنرفعها إلى الجبال. وبذلك ندفع ثمن الجغرافيا، وثمن الاستقلال، وثمن الاستقرار، ونحن نعلم بان هذا ليس خيارًا اقتصاديًا، بل قرار سيادي، الا ان ذلك لا يعني عدم الوقوف على ارقام تكاليف عناصر المشروع.
المشكلة، اليوم في اختلاف الرؤيات بين وزير سابق وحالي. لقد تعودنا في الاردن، ان يقوم بعض السلف او الخلف في المواقع الرسمية بتوجيه انتقادات لبعضهم (تكررت هذه الواقعة في حالات كثيرة)، وهنا يمكن طرح السؤال، متى يمكن ان نصل الى ثقافة في حال كانت هناك مثل هذا الاختلاف في الرأي، خاصة في الاراء الرقمية)، ان يتم لقاء علني يجمع الاثنين معاً، لتوضيح وجهات النظر للمواطنين، حتى لا تبقي الرؤيات متضاربة وتربك الشارع، فلا شئ مقدس (المقدس هو حب الملك وولي العهد، والاخلاص للاردن).
في جميع الأحوال، المشروع لم يعد خيارًا نظريًا، بل واقعًا استراتيجيًا. والسؤال لم يعد، هل ننفذه؟ بل، كيف نديره بكفاءة؟ وكيف نحوّل كلفته إلى عائد؟، الا اذا كان هناك مجال للتفاوض، قبل توقيع اتفاقية الغلق المالي.
فالمشروع يمثل بنية تحتية استراتيجية قادرة على إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية، وتحفيز الاستثمار، وخلق فرص عمل، وقد يولد تدفقات اقتصادية لا تقل عن 10 مليارات دولار خلال عشر سنوات إذا أُدير ضمن رؤية تنموية متكاملة.
عندها، يتحول من مشروع مياه إلى مشروع دولة، تصبح فيه المياه أداة إنتاج. وفي هذه اللحظة، ينتقل الأردن فعليًا من إدارة الندرة إلى صناعة القدرة. وبين إدارة الندرة وصناعة القدرة، تقف مؤسسات الدول أمام خيارين واضحين، إما الاكتفاء بتأمين المياه للبقاء، أو الانتقال إلى صناعة المستقبل.
في النهاية، لم يعد الماء في الأردن مجرد خدمة، بل مفتاح الاقتصاد القادم وأحد محددات السيادة. وكلفة المتر المكعب لا تعكس ثمن الماء فقط، بل ثمن تحرير القرار المائي من قيود الجغرافيا. فالدول لا تنهض بما تملكه من موارد فقط، بل بقدرتها على خلق موارد جديدة، وفي الحالة الأردنية، قد يكون الماء هو المورد الذي يُعاد تعريفه ليصبح مصدر قوة لا نقطة ضعف.
وبهذا المعنى، لم يكن القرار اقتصاديًا بحتًا، بل قرار دولة تواجه مخاطر ازمة مياه تكاد تكون وجودية، وتختار أن تصنع قدرتها بدل أن تدير أزمتها.
الناقل الوطني من ادارة الندرة الى صناعة القدرة






