الكرك رواية وطنٍ حيّ، كتبتها الأجيال بمداد الانتماء، وسُطّرت فصولها بدمٍ واحدٍ لم يعرف يومًا الانقسام. هنا، تتلاشى الفوارق، وتذوب المسميات الضيقة، ليبقى الوطن هو العنوان الأوسع، والهوية الجامعة التي لا تقبل التجزئة.
“خوري المعايطة في أدر… وجامع الرزيقات في الربّة” ليست عبارة تُقال على سبيل المجاز، بل هي خلاصة تجربة إنسانية واجتماعية عميقة، تعبّر عن حالةٍ فريدةٍ من التآخي الذي لا تصنعه الشعارات، بل تُثبّته المواقف، وتؤكده الأيام. في الكرك، لا تُقاس العلاقة بين الناس بانتماءاتهم الدينية، بل بما يحملونه من صدقٍ ووفاء، وبما يقدّمونه للوطن من عطاءٍ وتضحية.
هنا، لا يسأل الجار جاره عن دينه، بل عن حاله. ولا يُفرّق الناس بين مئذنةٍ وجرس، لأنهما في الوجدان صوتٌ واحد، يعلو باسم الله، ويُذكّر بالقيم التي تجمع ولا تفرّق. إنها صورة نادرة لوحدةٍ حقيقية، تعيش في تفاصيل الحياة اليومية، وتظهر في المواقف الكبرى، حين يكون الوطن هو البوصلة، وهو الغاية.
لقد شكّلت عشائر الكرك، مسلمين ومسيحيين، لوحةً وطنيةً متكاملة، عنوانها الاحترام المتبادل، والتكافل الصادق، والتاريخ المشترك الذي لم يعرف الانقسام. فكم من بيتٍ جمع الجميع في الفرح كما في الحزن، وكم من موقفٍ سُجّل فيه الشرف دون أن يُسأل عن الهوية، لأن الهوية هنا واحدة: أردنيون أولًا، وأبناء وطنٍ لا يقبل القسمة.
وفي هذا السياق، يبرز استحضار عطوفة الأخ والصديق الدكتور اللواء المتقاعد تامر باشا المعايطة لهذه المقولة في بثّه عبر موقعه الإلكتروني، بوصفه تذكيرًا بوعيٍ متجذّر، وإشارةً صادقة إلى أن هذه القيم ليست ماضيًا يُروى، بل حاضرٌ يُعاش، ونهجٌ يُستعاد كلما حاولت بعض الأصوات النشاز أن تعبث بوحدة الصف.
كما أن إطلالاته الهادئة والمعبّرة تحمل رسائل تقديرٍ عميقة لهذا الإرث، فله كل الشكر على هذا الحرص النبيل، وهذا التذكير المبدع الذي يعكس وفاءً صادقًا لروح الكرك وسرديتها الوطنية.
وإذا ما أمعنّا النظر في تفاصيل المكان، نجد أن الأرض نفسها تحمل بصمات هذا التآخي؛ ففي منطقة السنينة، تُسمّى بعض الأراضي المملوكة لإخوتنا المسيحيين من أهل السماكية بأسماءٍ ذات دلالات إسلامية، مثل “الداودية” و”المدوحية”. وهذه ليست مجرد تسميات، بل شواهد حيّة على عمق الامتزاج الاجتماعي، حيث تختلط الأسماء كما تختلط القلوب، وتُصبح التفاصيل الصغيرة مرآةً لحقيقةٍ كبيرة.
والكرك سرديةٌ وقصيدةٌ في حبّ الوطن والانتماء له وقيادته الحكيمة؛ صدرُها العشائرُ المسلمة، وعجزُها العشائرُ المسيحية، والعكسُ صحيح. قصيدةٌ لا تُقرأ بحروفها، بل تُعاش بمواقفها؛ إذا بدأ شطرُها من مسجدٍ اكتمل صداه في كنيسة، وإذا انطلق من جرسٍ ردّدته مئذنة، فيكتمل المعنى وتستقيم القافية وطنًا واحدًا لا ينقسم، وانتماءً صادقًا لا يتبدّل.
إنها الكرك التي تعلّمنا أن الوحدة ليست شعارًا يُرفع، بل سلوكٌ يُمارس، وأن المواطنة ليست كلمة تُقال، بل عهدٌ يُصان. وهي الكرك التي تقف اليوم، كما كانت دائمًا، سدًا منيعًا في وجه كل محاولات التفريق، ورسالةً واضحة بأن هذا النسيج الوطني أقوى من كل خطابٍ ضيق، وأعمق من كل محاولة اختزال.
هنا، في الكرك، تتجسد الحقيقة ببساطتها ووضوحها:
أن الوطن أكبر من كل الفوارق، وأن الإنسان يُقاس بوفائه، لا بانتمائه، وأن وحدة الدم ليست شعارًا، بل قدرٌ اختاره الناس، فصاروا به أقوى، وبقيت به الكرك… عصيّة على التمزّق.
محمد مطلب المجالي






