د. عادل يعقوب الشمايله
العرب، العربان، الاعراب. بغض النظر عن التسمية التي تطلق على من كانوا يعيشون في صحراء شبه الجزيرة العربية ثم خرجوا منها وانتشروا وتوزعوا “وعلى فترات متقطعة” حكموا جغرافية المنطقة الواقعة ما بين المحيط الأطلسي غربا والخليج العربي شرقا: لا يتحدون، وإنما يُوحَدون. هذه حقيقة غير قابلة للنقض.
العرب لا يتحدون من تلقاءِ أنفسهم لا بالمبادرة، ولا بالتراضي. كما أنهم لا يقتنعون بالوحدة لأن القناعة لا تتحصل لمن يرفضون المنطق والعلاقة بين الأسباب والنتائج، وأنَّ للعقل وظيفة تختلف عن وظيفة الأُذن.
العرب لا يتجاوبون عن وعي وبإخلاص مهما كانت وجاهة وضرورات ومبررات الوحدة وخطورة التهديدات العسكرية والتهديدات الثقافية والتهديدات الأيديولوجية والعنصرية وتهديدات الجغرافيا وتهديدات العولمة وتهديدات التقدم التكنولوجي التي تتربص بهم وأنهم يعيشون في زمن أبطلت فيه تكنولوجيا الحروب بطولات السيف والرمح والحصان والبعير.
التاريخ يعلمنا أن العرب لم يتحدوا إلا بالقوة وأنهم لن يتوحدوا بدون القوة والجبر. ولا يبقون متحدين إذا لاحت بوادر تشير إلى تداعي قدرة السلطة على إخضاعهم ولجم نوازع ودوافع ومغريات الفرقة والتفرق لديهم.
حتى مجرد التوافق إلى درجة الإجماع الذي نادرا ما حدث لم يثبت ولم يستقر طيلة التاريخ العربي السياسي المعاصر. فقد تشتتوا وتناقضوا، وتوزعوا على أطراف الصراع في الحرب العراقية الإيرانية، واحتلال الكويت وغزو العراق، ومعركة إسقاط القذافي وعبدالله علي صالح ومبارك وبشار الأسد والسابع من أكتوبر وحزب الله، ثم الهجوم الأول والثاني على إيران.
ولذلك سبق وأن وصفهم ابن خلدون أن العرب “أبعد الأمم عن سياسة الملك وأنهم يصعب انقيادهم لبعضهم بسبب العصبية”
“وأنهم إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب”.
العرب يشبهون حصمة الفولية. حصمة الفولية لا تصلح للاستخدام في صبة الباطون في الأبنية ولا للقصارة ولا لفرش الشوارع تحت الأسفلت لأن حصمة الفولية تفتقد لعناصر التماسك والالتحام. حتى الأسمنت يعجز عن جمعها بكفاءة وفاعلية.
الوحدة تتطلب دستورًا وقوانين ينشئها مجتمع ناضج واعٍ مستعد للخضوع للقانون وتحمل تبعات الخضوع للقانون مقابل جني فوائد ومزايا الخضوع للقانون.
القرآن سبق ابن خلدون إلى بيان خصال العرب ودمغهم بدمغة أنهم غير مؤهلين، وأن ليس لديهم القابلية لاستيعاب القوانين واحترامها وتنفيذها كما ورد في الآية الكريمة: “الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا، وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ” (97).
أشد كفرًا تعني أشد جحودًا. أي لا يعترفون بمعروف ولا بفضل من تفضل عليهم ولا بِدَينٍ مادي أو معنوي أو أخلاقي. أما النفاق فهو نقيض الحقيقة، بل تزوير الحقيقة. فكيف لأناسٍ من طبعهم تزوير الحقائق وقلبها أن يتقبلوا القوانين ويخضعوا للقانون؟
يترتب على ما سبق ذكره ضرورة أن يدرك العربان المخاطر القادمة على المنطقة العربية المنتظرة من إيران ما بعد الحرب، ومن تركيا الأردوغانية العثمانية، وإسرائيل الصهيونية اليمينية المارقة. ولن يدركوا.
لقد وضع حكام العرب كل بيضهم في سلة أمريكا وأتباعها الأوروبيين. وها هي الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية تكشف مدى انكشافهم رغم لهاثهم وراء سراب الحماية الأمريكية رغم ما بذلوه لشراء الفروة الأمريكية.
يبدو أن مجتمعات الخليج تعاني من مشاكل ديموغرافية وثقافية ومشكلة ثقة تعطل إنشاء جيش وطني واحد قادر على الدفاع عن دول الخليج ضد أي أخطار مهما كان مصدرها كما استطاعت إيران وتركيا وإسرائيل إنشاء جيوشها، خاصة تركيا التي تملك جيشًا هو الأكثر عددًا والأحسن تدريبًا ضمن جيوش حلف الأطلسي، طالما أن عدد سكان شبه الجزيرة العربية يتجاوز ستين مليونًا ولديهم ما يكفي من الأموال.
إذا لم يتحد العرب فإنهم سيظلون منطقة فراغ جيوسياسي تتنازع أو تتنافس على ملئها قوى إقليمية وعالمية من بينها أمريكا والصين وروسيا وسيبقى العرب خاضعين لتلك القوى يُقتلون ويُشردون ويُمتهنون ويُنهبون






