وطنا اليوم _
كتب: ليث الفراية
في اللحظات التي تعيد فيها الدول مراجعة أدواتها، وتُعيد فيها المؤسسات النظر في بنيتها الداخلية، لا يكون السؤال الحقيقي متعلقًا بما نملكه من تقنيات، بل بكيف نفكر بها، وكيف نُحسن توظيفها في سياقٍ يخدم الإنسان قبل أي شيء آخر فالتجارب التي تصمد، ليست تلك التي تنبهر بالبدايات، بل التي تفهم النهايات جيدًا، وتدرك أن التحول، في جوهره، ليس انتقالًا في الأدوات، بل انتقال في العقل ذاته ومن هذه الزاوية تحديدًا، يمكن الاقتراب من تجربة المهندس أشرف الطراونة، بوصفها واحدة من المحاولات الجادة التي لا تسعى إلى لفت الانتباه بقدر ما تسعى إلى بناء معنى مختلف لما يمكن أن يكون عليه هذا التحول.
الطراونة لا يظهر في المشهد بوصفه صاحب مشروعٍ عابر، ولا كاسمٍ يبحث عن موقع في خارطة مزدحمة، بل كحالةٍ مهنية تشكلت بهدوء، وتراكمت عبر تجربة تعرف أين تضع قدمها، ومتى تتقدم، ومتى تكتفي بإعادة قراءة الطريق وفي مرحلة أصبحت فيه المفاهيم تُستهلك بسرعة، وتتحول المصطلحات إلى شعارات جاهزة، يبدو لافتًا ذلك الميل لديه إلى تفكيك الفكرة قبل تقديمها، وإلى التعامل مع التحول الرقمي كمسارٍ يحتاج إلى فهمٍ عميق، لا إلى استعجال النتائج.
ومن هذا الفهم، جاء إطلاق AACT Consulting في الأردن، لا كإضافة رقمية إلى سوق الاستشارات، بل كمحاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين المؤسسة وأدواتها، وبين القرار ومصادره. فالمشروع، في جوهره، لا ينطلق من فرضيات نظرية بقدر ما يستند إلى قناعة بأن البيانات ليست أرقامًا تُجمع، بل معرفة تُبنى، وأن الذكاء الاصطناعي لا يُقاس بقدرته على التنفيذ فقط، بل بقدرته على تحسين جودة القرار الإنساني.
وفي السياق الأردني، حيث تتداخل الحاجة إلى التحديث مع تحديات الواقع، تكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة فالقضية لم تعد في إدخال أنظمة جديدة، بقدر ما أصبحت في القدرة على استيعابها ضمن بيئة مؤسسية تعرف كيف توظفها دون أن تفقد توازنها وهنا تحديدًا، يبرز الدور الذي تحاول AACT أن تلعبه، من خلال العمل على رفع جاهزية المؤسسات، وبناء قدراتها الرقمية، ومساعدتها على الانتقال من رد الفعل إلى الفعل، ومن إدارة البيانات إلى فهمها.
ما يلفت في هذه التجربة، أنها لا تتعامل مع التحول الرقمي كغاية مكتملة، بل كعملية مستمرة تتطلب مراجعة دائمة، وتكيّفًا مع متغيرات لا تتوقف وهذا ما يجعلها أقرب إلى فكرة العمل طويل الأمد، لا إلى المشاريع التي تبحث عن نتائج سريعة فبناء نماذج تشغيل حديثة، وتفعيل القدرات الرقمية، لا يمكن أن يتم بقرارات معزولة، بل يحتاج إلى تراكم، وإلى شراكة حقيقية بين الفكر والتنفيذ.
ولا يمكن إغفال أن هذا التوجه، في امتداده، يعكس إدراكًا لطبيعة المرحلة التي يمر بها الأردن، حيث لم يعد ممكنًا التعامل مع الاقتصاد بمعزل عن التكنولوجيا، ولا مع الإدارة بمعزل عن البيانات وهنا، تصبح مثل هذه المبادرات جزءًا من سياق وطني أوسع، يسعى إلى إعادة بناء أدوات الدولة الحديثة، وتعزيز قدرتها على التكيف مع عالم سريع التحول.
وربما ما يمنح هذه التجربة خصوصيتها، هو أنها لا تسعى إلى فرض نموذج جاهز، بل تحاول أن تشتغل من داخل كل مؤسسة، وفق خصوصيتها، ووفق ما تحتاجه فعليًا وهذا النوع من المقاربات، وإن كان أقل صخبًا، إلا أنه أكثر رسوخًا، لأنه يقوم على الفهم لا على النسخ، وعلى البناء لا على الاستعراض.
في النهاية، لا تبدو تجربة المهندس أشرف الطراونة قابلة للاختزال في مشروعٍ واحد، ولا في عنوانٍ محدد، لكنها بالتأكيد تفتح بابًا للتفكير في شكل المرحلة القادمة، وفي الكيفية التي يمكن بها تحويل التحول الرقمي من فكرة عامة إلى ممارسة يومية منتجة فالمسألة لم تعد في امتلاك الأدوات، بل في القدرة على استخدامها بوعي، وعلى توجيهها نحو ما يخدم الإنسان والمؤسسة معًا.
وهنا تحديدًا، يمكن القول إن ما يجري اليوم، ليس مجرد إطلاق شركة، بل خطوة هادئة في مسارٍ أطول، عنوانه أن التحول الحقيقي لا يُقاس بما نعلنه، بل بما ننجح في ترسيخه، وأن الأثر الذي يبقى، هو ذاك الذي يُبنى بصمت، ويُثبت نفسه مع الوقت.
/https://aact.consulting







