السردية الأردنية بين الفكرة والممارسة

ساعتين ago
السردية الأردنية بين الفكرة والممارسة

وطنا اليوم _

كتب: محمد خالد الزعبي

في النقاشات السياسية والفكرية المعاصرة، لم يعد مفهوم “السردية الوطنية” ترفًا ثقافيًا أو إطارًا لغويًا فضفاضًا، بل أصبح أداة تحليل لفهم كيف تشكّلت الدول، وكيف تدير حضورها، وكيف تحمي استمراريتها في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة وفي هذا السياق، تبرز السردية الأردنية بوصفها نموذجًا مختلفًا في الإقليم، ليس لأنها الأعلى صوتًا، بل لأنها الأكثر ثباتًا على مسار الدولة.

السردية الأردنية لم تُبنَ على لحظة انتصار عسكري، ولا على خطاب أيديولوجي عابر، بل تشكّلت عبر مسار تراكمي طويل، قوامه إدارة الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يكون ومنذ تأسيس الدولة، كان السؤال المركزي هو “كيف يمكن بناء كيان سياسي مستقر في بيئة إقليمية شديدة السيولة؟” والإجابة لم تكن في القفز على التحديات، بل في التعامل معها بمنهج مؤسسي هادئ، قائم على التوازن، وضبط الإيقاع، وتقديم الدولة بوصفها إطارًا جامعًا لا ساحة صراع.

في جوهرها، تقوم السردية الأردنية على فكرة الدولة الوظيفية، لا الدولة الاستعراضية حيث دولة تعرف أولوياتها، وتفصل بين ما هو ممكن وما هو مرغوب، وتُدير التناقضات بدل أن تنفجر داخلها ولهذا، لم تتعامل المؤسسات الأردنية مع الاستقرار كحالة طارئة، بل كخيار استراتيجي طويل الأمد، يحتاج إلى صبر سياسي، وانضباط إداري، وقدرة على امتصاص الأزمات دون انهيار.

على المستوى الداخلي، أسست السردية الأردنية لعلاقة خاصة بين الدولة والمجتمع حيث لم تُبنَ هذه العلاقة على فكرة القهر أو الإقصاء، ولا على الشعبوية المفرطة، بل على صيغة معقدة من التفاهم التاريخي غير المكتوب، قوامه أن الدولة تحمي الإطار العام، والمجتمع يحافظ على تماسكه فهذا التوازن، رغم ما اعتراه من اختلالات في مراحل مختلفة، شكّل صمام أمان حال دون انزلاق البلاد إلى الفوضى التي شهدتها دول أخرى في الإقليم.

أما الهوية الوطنية في السياق الأردني، فقد تشكّلت خارج نماذج النقاء أو الإغلاق حيث الهوية هنا لم تكن رديفًا للإقصاء، بل نتاجًا لتعدد جغرافي واجتماعي وثقافي تم احتواؤه ضمن إطار الدولة ولهذا، لم تتحول مسألة الهوية إلى ساحة صراع دائم، بل إلى مساحة تفاوض مستمر، تحكمها فكرة الدولة الجامعة، لا الهويات المتنازعة.

سياسيًا، تميّزت السردية الأردنية بخطاب واقعي واضح المعالم. لم تُدار السياسة الخارجية بمنطق المغامرة، ولا بمنطق التبعية، بل بمنهجية براغماتية دقيقة، توازن بين المصالح الوطنية والالتزامات الإقليمية والدولية وفي أكثر الملفات حساسية، حافظ الأردن على موقعه بوصفه دولة مواقف ثابتة، دون أن يتحول ذلك إلى عبء داخلي أو عزلة خارجية.

وفي ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، تشكّل أحد أعمدة السردية الأردنية الأكثر حساسية وتعقيدًا حيث لم يكن الموقف الأردني يومًا خطابًا موسميًا، ولا ورقة تفاوضية للاستهلاك، بل التزامًا سياسيًا وأخلاقيًا طويل الأمد، أُدير بوعي عالٍ لخطورة التداخل بين الثابت الوطني والمتغير الإقليمي فهذا التعاطي المتوازن جنّب الدولة كثيرًا من الارتدادات الداخلية، وحافظ على وضوح الموقف دون الانزلاق إلى المزايدات.

اقتصاديًا، لم تدّعِ السردية الأردنية تحقيق نموذج مثالي، لكنها تعاملت مع التحديات بوصفها وقائع بنيوية لا شعارات مؤقتة حيث شح الموارد، والضغوط الديموغرافية، والأزمات الإقليمية المتلاحقة، كلها عناصر حاضرة في الخطاب الرسمي، لا بوصفها أعذارًا، بل محددات واقعية لصنع القرار ولهذا، بقيت الدولة قائمة، رغم كل الاختلالات، لأنها لم تُنكر أزماتها، ولم تبنِ خطابها على وهم الوفرة.

في اللحظة الراهنة، ومع تصاعد الأزمات الإقليمية والتحولات الدولية، تعود السردية الأردنية إلى الواجهة بوصفها إطارًا لفهم لماذا بقيت الدولة، وكيف تجاوزت لحظات كانت كفيلة بإسقاط غيرها غير أن التحدي اليوم لم يعد فقط في الحفاظ على الاستقرار، بل في تجديد أدواته، وتحديث العقد الاجتماعي، وتطوير الخطاب العام بما يتناسب مع تحولات المجتمع وتوقعاته المتزايدة.

السردية الأردنية، بهذا المعنى، ليست نصًا مكتوبًا في أرشيف الدولة، بل ممارسة يومية تتطلب مراجعة مستمرة وهي سردية لا تدّعي الكمال، لكنها تمتلك ما هو أكثر أهمية وهي القدرة على الاستمرار، وإعادة إنتاج ذاتها دون كسر بنيتها الأساسية.

وفي الخلاصة، فإن السردية الأردنية تمثل نموذجًا لدولة اختارت أن تكون أقل صخبًا وأكثر عقلانية، أقل ادعاءً وأكثر التزامًا حيث دولة لم تراهن على الشعارات، بل على الزمن السياسي الطويل، فصمدت وهذا ما يجعل من تجربة الأردن حالة تستحق القراءة خارج الانطباعات السريعة، وبعيدًا عن المقارنات السطحية، بوصفها تجربة دولة صنعت وجودها بالتماسك، لا بالمواجهة، وبالإدارة، لا بالمغامرة.