غرّة رمضان.. قصة رحلة فتحت باب فردوس الأندلس لثمانية قرون

ساعتين ago
غرّة رمضان.. قصة رحلة فتحت باب فردوس الأندلس لثمانية قرون

وطنا اليوم:يتجاوز شهر رمضان المبارك الشكل التقليدي للعبادة من ذكر وصلاة ليصبح في الذاكرة الجمعية للمسلمين “شهر الفتوحات الكبرى” في تاريخهم.
في عصر النبوة كانت غزوة بدر الانتصار الأكبر في بداية الدولة الناشئة كما تحطمت الأصنام بفتح مكة في بضع سنين، وفي عصر الخلافة الراشدة وصعود دولة الإسلام فتحت القادسية وقهر المماليك جيوش التتار في عين جالوت في الشهر ذاته.
لكن قصة “الأندلس” تظل الفصل الأكثر شجنا وإثارة في هذا التاريخ؛ فهي الفردوس الضائع الذي بدأ برحلة عسكرية استكشافية حذرة في غرة رمضان عام 91 هـ، لتمهد الطريق لحضارة استمرت ثمانية قرون.

نبوءة الفتح
بعد أن استقر المسلمون في المغرب الأقصى بقيادة موسى بن نصير، بدأت الأبصار ترنو إلى الضفة الأخرى من المتوسط.
كانت الأندلس تعيش صراعات داخلية مريرة تحت حكم الملك القوطي “لذريق” الذي أطبق الخناق على شعبه بالضرائب والعبودية.
في هذه الأثناء، جاءت المبادرة من “يوليان” حاكم سبتة، الذي كان يحمل ضغينة شخصية ضد لذريق (بسبب قضية اغتصاب ابنته)، فحثّ موسى بن نصير على العبور مقدماً نفسه كدليل وخبير.
ورغم الفرصة المواتية، تمهل القائد موسى بن نصير حتى كاتب الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك يستأذنه، فجاء رد الخليفة حذراً: “خُضها بالسرايا، حتى ترى وتختبر شأنها، ولا تغرّر بالمسلمين في بحر شديد الأهوال”.

طريف بن مالك.. القائد والمهمة
تنفيذاً لأمر الخليفة، جهز موسى بن نصير سرية استطلاع صغيرة قوامها 500 جندي (100 فارس و400 راجل)، واختار لقيادتها رجلاً من “خيار البربر” إيماناً وشجاعة، وهو طريف بن مالك (المكنى بأبي زرعة).
في شهر رمضان من عام 91 هـ (يوليو/تموز 710م)، عبرت هذه القوة الصغيرة البحر من “سبتة” على متن أربع سفن قدمها يوليان.
نزلت السرية في جزيرة صغيرة تقع في أقصى جنوب شبه الجزيرة الأيبيرية، كانت تُعرف بجزيرة “بالوما”، لكن التاريخ قرر منذ تلك اللحظة أن يخلد اسم قائدها، فصارت تُعرف حتى يومنا هذا بـ “جزيرة طريف” (Tarifa).
كانت حملة طريف “جس نبض” حقيقياً؛ لم تكتفِ باستطلاع الجغرافيا، بل اختبرت صلابة الدفاعات القوطية ومدى صدق وعود الحلفاء.

من الاستطلاع إلى التمهيد
لم تكن مهمة طريف مجرد رحلة استكشافية صامتة، بل كانت “سرية قتالية” أدت مهامها بنجاح باهر من خلال ثلاثة محاور أساسية:
الغارات الناجحة: شنت السرية غارات على الساحل الجنوبي والجزيرة الخضراء، ولم تواجه مقاومة تُذكر، مما كشف عن هشاشة التنظيم الدفاعي للقوط.
جمع المعلومات: عادت الحملة بتقرير مفصل عن طبيعة الأرض، ومواقع العدو، وحالة التذمر الشعبي من حكم “لذريق”، مما وفر قاعدة بيانات استخباراتية للقادة.
الغنائم: عادت السرية محملة بمغانم وفيرة وأسرى، مما أثبت فقر نظام لذريق في حماية سواحله وغنى أرضه في مواردها.
الأثر التاريخي
كان تقرير طريف بن مالك هو “الضوء الأخضر” الذي انتظره موسى بن نصير. فبعد عام واحد فقط من هذه الرحلة الرمضانية، وتحديداً في عام 92 هـ، وجه موسى قائده طارق بن زياد ليعبر المضيق بجيش أكبر، مستفيداً من الخارطة العسكرية والسياسية التي رسمتها “سرية طريف”.
ولم يكتف طريف بن مالك بمهمته الأولى، بل سجل التاريخ عودته في الحملة الكبرى قائداً للمدد (5000 جندي) الذي أرسله موسى بن نصير لنجدة طارق بن زياد قبيل معركة سهل البرباط الحاسمة (معركة وادي لكة)، حيث تولى طريف حماية مؤخرة الجيش، مساهما في تثبيت أركان الفتح الذي بدأه بـ “فاصلة” استطلاعية في رمضان.