بقلم : الباحث في حقوق الانسان هشام محمد المصري / رئيس جمعية اسناد للديمقراطيه وحقوق الانسان
لم تعد البطالة، وخصوصاً بين فئة الشباب، مجرد مؤشر اقتصادي يُتداول في التقارير الرسمية، بل تحولت إلى ظاهرة اجتماعية ونفسية عميقة الأثر، تُلقي بظلالها الثقيلة على الفرد والأسرة والمجتمع بأكمله. هي أزمة صامتة، تبدأ من جيبٍ فارغ، لكنها تنتهي أحياناً بحلمٍ مؤجَّل، أو وطنٍ يُفكَّر في مغادرته.
بطالة تُؤخّر الحياة
أول ما تصيبه البطالة هو إيقاع الحياة الطبيعي.
يتأخر الزواج، ليس لقلة الرغبة، بل لغياب الاستقرار المادي. يتحول الزواج من “مشروع حياة” إلى “عبء مؤجَّل”، وتدخل الأسر في دوامة القلق على أبنائها، فيما يعيش الشباب صراعًا بين الطموح والواقع.
الهجرة… حلّ أم هروب؟
مع انسداد الأفق، تبدأ فكرة الهجرة بالتسلل إلى العقول.
بعضهم يراها فرصة، وآخرون يرونها المخرج الوحيد. وبين هذا وذاك، يخسر الوطن طاقات شابة، استثمر في تعليمها سنوات طويلة، لتقطف ثمارها أسواق عمل خارجية. إنها هجرة الكفاءات قبل أن تكون هجرة أفراد.
الإحباط وضعف الدافعية
البطالة لا تسرق الدخل فقط، بل قد تسرق الثقة بالنفس.
شباب متعلمون، يحملون شهادات جامعية، لكنهم يقفون على أبواب مغلقة. يتكرر السؤال القاسي:
ما فائدة التعليم إذا لم يفتح باباً؟
ومع الوقت، يتسلل الإحباط، تضعف الدافعية، ويتحوّل الحلم إلى مجرد ذكرى.
تعليم مرتفع… وسوق عمل بعيد
رغم الارتفاع الملحوظ في نسب التعليم، ما زالت الفجوة قائمة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل.
تخصصات مشبعة، مهارات غير مواكبة، تدريب عملي محدود، وسوق يتغير أسرع مما تتغير المناهج. النتيجة: شهادات بلا وظائف، ووظائف بلا مهارات مناسبة.
من المسؤول؟
المسؤولية مشتركة:
مؤسسات تعليمية بحاجة إلى ربط حقيقي بسوق العمل.
قطاع خاص مطالب بالاستثمار في الشباب لا الاكتفاء بالخبرات الجاهزة.
سياسات تشغيل تحتاج إلى مرونة ودعم المبادرات الريادية.
شباب مدعوون لإعادة تعريف النجاح، وتطوير المهارات، وعدم انتظار الوظيفة التقليدية فقط.
الطريق إلى الحل
الحل لا يكون بشعار، بل برؤية:
مواءمة التعليم مع المهارات المستقبلية.
تعزيز التدريب المهني والتقني.
دعم ريادة الأعمال والمشاريع الصغيرة.
خلق شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص.
بناء ثقافة عمل تؤمن بالمهارة بقدر الشهادة.
كلمة أخيرة
البطالة بين الشباب ليست قدرًا محتومًا، بل تحدياً قابلًا للتغيير.
حين نمنح الشباب فرصة حقيقية، لا نوفر لهم وظيفة فقط، بل نعيد الأمل، نسرّع الزواج، نحدّ من الهجرة، ونبني مجتمعًا أكثر استقرارًا وثقة بالمستقبل.
فالشباب ليسوا مشكلة تحتاج إلى حل…
بل طاقة تنتظر من يفتح لها الباب.






