بقلم : الباحث في حقوق الانسان
د. هشام محمد المصري
لم يعد التقاعد محطة راحة كما كان يُفترض، بل تحوّل عند كثير من المتقاعدين إلى بداية معركة يومية مع الغلاء وضيق ذات اليد. فالمتقاعد الذي أفنى عمره في خدمة وطنه ومؤسسته، يجد نفسه اليوم محاصرًا براتب لا يواكب الحد الأدنى من متطلبات العيش الكريم.
يقول أحد المتقاعدين: “كنت أظن أن سنوات الخدمة ستمنحني بعض الطمأنينة، لكنني اليوم أعدّ الأيام لا لأستريح، بل لأدبّر كيف أُسدّد فاتورة الكهرباء أو أشتري الدواء.”
هذه الصرخة لا تمثل حالة فردية، بل واقع شريحة واسعة تعيش على رواتب تقاعدية ثابتة في مقابل أسعار لا تعرف الثبات.
الإيجارات ترتفع، فواتير الماء والكهرباء تتضاعف، وأسعار الغذاء والدواء تلتهم معظم الراتب قبل منتصف الشهر. أما المتقاعد الذي يعيل أسرة أو يساعد أبناءه، فمعاناته أشد، إذ يتحوّل الراتب إلى رقم عاجز عن تغطية الاحتياجات الأساسية، ناهيك عن الطوارئ الصحية التي باتت هاجسًا دائماً.
المؤلم في المشهد أن المتقاعد، بدل أن يُكرَّم ويُحتضن، يشعر أحياناً بأنه عبء منسي، تُستقطع من راتبه رسوم، وتُفرض عليه تكاليف لا تتناسب مع دخله المحدود. وبينما تتسارع وتيرة التضخم، يبقى الراتب التقاعدي جامداً، لا يتحرك إلا في الاتجاه المعاكس لقيمة الحياة.
إن صرخة المتقاعد اليوم ليست طلب رفاهية، بل نداء كرامة. نداء يطالب بإعادة النظر في الرواتب التقاعدية، وربطها بمستوى المعيشة، وتوفير مظلة حماية حقيقية تضمن له الدواء والغذاء والسكن الكريم. فالمجتمع الذي لا يصون كبارَه ومتقاعديه، إنما يهدر جزءًا من ذاكرته وخبرته ووفائه.
هي صرخة موجعة، لكنها صادقة… فهل تجد من يسمعها قبل أن تتحول إلى صمت قاسٍ؟
صرخة متقاعد: حين يصبح الراتب عبئاً على الحياة لا سنداً لها






