بقلمَ الباحث الحقوقي / د. هشام المصري
حلّ المجالس البلدية… هل العودة بعد ستة أشهر إصلاح إداري أم إعادة تدوير للأزمة؟
في لحظة حساسة من المسار الإداري والسياسي المحلي، جاء قرار حلّ المجالس البلدية ليشكّل صدمة للرأي العام، خصوصًا أنه مسّ أحد أهم أركان اللامركزية والديمقراطية المحلية، وأحد أبرز أدوات تمثيل المواطن في إدارة شؤونه اليومية. وبينما برّرت الجهات الرسمية القرار بأنه ضرورة إصلاحية لمعالجة اختلالات إدارية ومالية، يبرز اليوم سؤال جوهري: هل تعود المجالس بعد ستة أشهر أقوى وأكثر كفاءة؟ أم أننا أمام تأجيل للأزمة لا أكثر؟
بين المبررات الرسمية والواقع الميداني
لا يمكن إنكار أن عددًا من المجالس البلدية عانى خلال السنوات الماضية من:
ضعف الأداء والخطط التنموية
ترهّل إداري وتضخم وظيفي
أزمات مالية خانقة وديون متراكمة
صراعات داخلية عطّلت العمل البلدي
لكن في المقابل، فإن تعميم الحلّ على جميع المجالس، دون تمييز بين الناجح والمتعثر، يفتح باب التساؤل حول معيار العدالة والإنصاف في القرار، ويطرح تساؤلات حول ما إذا كانت المشكلة في الأشخاص أم في المنظومة التشريعية والإدارية نفسها.
ستة أشهر… كافية للإصلاح؟
تُعدّ فترة الستة أشهر قصيرة نسبيًا إذا ما أُريد لها أن تكون مرحلة إصلاح حقيقية. فالإصلاح البلدي لا يتحقق بغياب المجالس المنتخبة، بل يحتاج إلى:
مراجعة شاملة لقانون الإدارة المحلية
إعادة تعريف صلاحيات البلديات وعلاقتها بالمركز
ضبط التعيينات والإنفاق
بناء قدرات المجالس المنتخبة لا تغييبها
وإلا فإن العودة بعد ستة أشهر قد تعني عودة الوجوه ذاتها، وبالأدوات ذاتها، وبالأزمات ذاتها.
لجان مؤقتة… إدارة بلا مساءلة؟
إسناد إدارة البلديات إلى لجان مؤقتة يثير إشكالية أخرى تتعلق بـ:
ضعف المساءلة الشعبية
غياب التفويض الانتخابي
تراجع المشاركة المجتمعية
فاللجان المعينة، مهما حسنت نواياها، تظل أقل التصاقًا بالمواطن وهمومه، وأقل التزامًا بالمساءلة مقارنة بالمجالس المنتخبة.
المواطن هو الحلقة الأضعف
في خضم هذه التحولات، يبقى المواطن هو المتضرر الأول:
تأخر المشاريع والخدمات
غياب جهة منتخبة يلجأ إليها
ضعف الثقة بالإدارة المحلية
وهنا يتعمق الخوف من أن تتحول البلديات من مؤسسات تنموية محلية إلى مجرد أذرع إدارية مركزية.
ما المطلوب قبل العودة؟
إن كانت عودة المجالس البلدية بعد ستة أشهر هدفًا إصلاحيًا حقيقيًا، فإن المطلوب هو:
إعلان نتائج تقييم شفافة لأداء المجالس السابقة
تعديل تشريعات الإدارة المحلية بما يمنع تكرار الفشل
وضع معايير كفاءة صارمة للترشح
إشراك المجتمع المدني والنخب المحلية في صياغة الإصلاح
ضمان استقلال مالي وإداري حقيقي للبلديات
خاتمة: قرار إداري أم اختبار للديمقراطية المحلية؟
إن حلّ المجالس البلدية وعودتها المحتملة بعد ستة أشهر ليس مجرد إجراء إداري عابر، بل اختبار حقيقي لجدية الإصلاح وللاحترام الفعلي لإرادة المواطنين. فإما أن تكون هذه الفترة جسرًا نحو إدارة محلية أكثر كفاءة ونزاهة، أو أن تتحول إلى محطة مؤقتة تعيد إنتاج الأزمة بثوب جديد.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل سنشهد مجالس بلدية مختلفة فعلًا… أم عودة إلى المربع الأول؟
تساؤلات مشروعة حول حلّ المجالس البلدية ( بين التحديات وأنتظارالعودة بعد ستة اشهر)






