لماذا تفشل الشركات الحكومية وتنجح بعد الخصخصة؟ تحليل اقتصادي سياسي

13 ثانية ago
لماذا تفشل الشركات الحكومية وتنجح بعد الخصخصة؟ تحليل اقتصادي سياسي

بقلم الدكتور ابراهيم النقرش
يكشف تقرير ديوان المحاسبة الأردني لعام 2024 عن واقع اقتصادي مقلق يتمثل في تسجيل ثلاث عشرة شركة حكومية خسائر مالية تجاوزت 487 مليون دينار أردني حتى نهاية عام 2024، تتصدرها شركات تُعد من الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني مثل شركة الكهرباء الوطنية، وشركات المياه، والخطوط الجوية الملكية الأردنية، إضافة إلى شركة العقبة للسكك الحديدية التي لا تمارس نشاطاً تشغيلياً فعلياً منذ سنوات. هذه الأرقام لا يمكن التعامل معها كبيانات محاسبية مجردة، بل تمثل مؤشراً هيكلياً عميقاً على خلل مستدام في نموذج إدارة القطاع العام الاقتصادي، وعلى نمط متكرر من النزيف المالي الذي يُموَّل في نهاية المطاف من الموازنة العامة، أي من جيوب المواطنين.
اقتصاديا :
تعمل الشركات الحكومية في الغالب خارج منطق الكفاءة الاقتصادية، حيث لا تُدار وفق معايير الربحية أو تعظيم القيمة، بل وفق منطق الاستمرارية المدعومة، إذ لا تؤدي الخسارة إلى الإفلاس أو التغيير الإداري الجذري، وإنما إلى طلب دعم إضافي من الخزينة. هذا الواقع يلغي أي حافز حقيقي لضبط التكاليف أو تحسين الإنتاجية أو الابتكار، ويحوّل الخسارة من إنذار اقتصادي إلى حالة طبيعية ومقبولة. ويُضاف إلى ذلك تشوه هيكل التكاليف التشغيليه في هذه الشركات نتيجة تضخم بند الرواتب والمكافآت الإدارية، واعتماد عقود مشتريات غير تنافسية، وتحميل الشركات أعباء سياسية واجتماعية لا علاقة لها بالمنطق الاقتصادي، مثل التوظيف القسري أو التسعير غير العادل للخدمات.
في المقابل، يغيب مبدأ المساءلة الاقتصادية الفعلية، إذ إن الخسارة في القطاع الخاص تعني خروجاً من السوق أو تغييراً جذرياً في الإدارة، بينما تعني في القطاع العام استمراراً في المنصب وربما دعماً إضافياً. هذا التناقض يخلق بيئة إدارية لا تعاقب الفشل ولا تكافئ الكفاءة، ويؤسس لثقافة مؤسسية تفتقر إلى الانضباط والمحاسبة. ويتجلى ذلك بوضوح في تدوير النخب الإدارية نفسها، حيث تتنقل الأسماء ذاتها بين مجالس إدارات شركات خاسرة فاشله دون تقييم حقيقي للأداء أو مساءلة عن النتائج، ما يعكس غياب مفهوم الإدارة القائمة على الكفاءة واستبداله بمنطق المحاصصة والولاءات.
إن كون هذه الشركات ملكاً عاماً جعلها عملياً بلا( مالك حقيقي) يطالب بالعائد، وبلا رقابة تمثل المصلحة العامة بشكل فعّال، وبلا شعور مباشر بالمسؤولية تجاه الخسارة. ويأخذ الفساد في هذا السياق شكلاً إدارياً مقنّعاً، لا يتمثل بالضرورة في سرقة مباشرة، بل في سوء” توظيف الموارد وادارتها” والمحاباة في التعيينات، والتوسع غير المبرر في الامتيازات، وتخصيص رواتب ومكافآت فلكية لمديرين يقودون شركات تحقق خسائر مزمنة. والمفارقة الأخطر أن هذا الفساد بات معروفاً على نطاق واسع، ومع ذلك لا يُحاسب أحد، فيتحول إلى حالة طبيعية، ويُكرَّس واقع “وجود فساد دون وجود فاسدين”.
سياسياً:
تُستخدم بعض الشركات الحكومية كأدوات لتحقيق توازنات غير اقتصادية، سواء لامتصاص البطالة أو لترضية مراكز نفوذ أو لتحقيق أهداف قصيرة المدى على حساب الاستدامة المالية. ويؤدي غياب الإرادة السياسية الحقيقية للإصلاح إلى تأجيل أي معالجة جذرية، لأن الإصلاح يعني المساس بمصالح نافذة، وإلغاء امتيازات، ومحاسبة أسماء معروفة، وهو ما يجعل الحفاظ على الكراسي أولوية تتقدم على حماية الاقتصاد الوطني.
اجتماعياً:
لا تبقى هذه الخسائر محصورة في أدراج دفاتر الشركات، بل تُنقل مباشرة إلى المجتمع عبر الضرائب غير المباشرة ورفع أسعار الخدمات وتآكل القدرة الشرائية، في حين “لا يتحمل من تسبب بالخسارة أي كلفة حقيقية”. وحين يصرخ المواطن أو يشير إلى وجود فساد، يُطالَب بالإثبات، وكأن الجائع من عامة الناس قادر على الوصول إلى الوثائق والملفات، ما يؤدي إلى كسر الثقة بين المواطن والدولة وتعميق الشعور بعدم العدالة. ويزداد هذا الشعور حدة عندما يرى المواطن أن الشركات نفسها التي كانت خاسرة تحت الإدارة الحكومية تحقق أرباحاً فلكية بعد بيعها أو خصخصتها، ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة المشكلة، وهل تكمن في الأصول أم في نمط الإدارة والحوافز.
إن نجاح هذه الشركات بعد انتقالها إلى القطاع الخاص لا يعود إلى تغيّر السوق أو الموارد أو الأصول، بل إلى تغيّر نظام الأدرة للموارد الانتاجيه, الحوافز و(الحوكمة)، حيث يظهر مالك حقيقي يطالب بالعائد، وتُفرض قواعد صارمة للشفافية والمساءلة، ويُربط “الأجر بالأداء”، وتُفصل الإدارة عن السياسة، وتُدار الموارد بكفاءة أعلى. وهذا يؤكد أن الأزمة ليست في القطاعات نفسها، بل في نموذج إدارة القطاع العام الاقتصادي الذي يدمج السلطة بالمال، ويُعفي الفشل من المحاسبة، ويُموِّل الخسارة من جيب المجتمع.
إن استمرار هذا النزيف المالي يشكل عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد الوطني، وهدرًا لمقدرات الدولة، وتكريساً لاختلال هيكلي يعمّق الفجوة بين الدولة والمواطن. ولا يمكن كسر هذه الحلقة دون الانتقال من منطق الدعم الأعمى إلى منطق الحوكمة الرشيدة، ومن ثقافة المناصب إلى ثقافة النتائج، ومن إدارة بلا مساءلة إلى نظام يربط المسؤولية بالمحاسبة، لا بالشعارات أو المواقع الوظيفية.