بنك القاهرة عمان

بشار جرار يكتب عن اعتزال الفنانين وأحدثهم أدهم نابلسي

23 ديسمبر 2021
بشار جرار يكتب عن اعتزال الفنانين وأحدثهم أدهم نابلسي

وطنا اليوم –  هذا المقال بقلم بشار جرار، متحدث ومدرب غير متفرغ مع برنامج الدبلوماسية العامة – الخارجية الأمريكية، والآراء الواردة أدناه تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة CNN.

 

تعتبر حفلات رأس السنة -ميلادية كانت أم صينية، الأعلى ربحية وشهرة بالنسبة لأي فنان، وخاصة من ذوي الاختصاصات الترفيهية كالمطربين والراقصين وما كان يعرف ب”المنولوجيست” وصار الآن “ستاند آب كوميدي”!

 

أردنيا، أنتمي لجيل الراحل فارس عوض، ومن قبل للمطرب والموسيقار الكبير توفيق النمري، لم أعرف قبل الهجرة إلى أمريكا قبل عقدين النجم الصاعد الذي اكتشفه برنامج “إكس فاكتور” أدهم نابلسي، ولا أعرف أحدا من جيله سوى الرائعين متعب الصقار وعمر العبداللات.

 

الغناء في ذلك الجزء من العالم في الأصل أهزوجة، والرقص هناك دبكة ودحية وسحجة. هناك في المشرق ثراء في الموسيقا (الموسيقى) ضاربا جذوره في الإيمان أيضا. من منا لا ينحني أمام القديس افرام السرياني اللاهوتي الموسيقي العظيم الذي يعتبر الأب الروحي المؤسس للتراتيل والترانيم الموسيقية المغناة في العالم كله، ومن قبل داوود النبي-الملك الذي يحبه أبناء الديانات الإبراهيمية كافة، وفي مزاميره الخالدة مناجاة لرب العالمين ما زالت توحي لأمم الأرض بكثير من الأغاني والألحان.

فرية أن الفن والغناء حرام أفضل من تصدى لها في الشرق الأوسط مشروع مصري فرنسي مشترك كان فيلم المخرج الراحل يوسف شاهين في رائعته “المصير” الذي تحدث عن الجريمة التي ارتكبت بحق أحد أكبر فلاسفة الحضارة الإسلامية ابن رشد. كان الرد على تكفيره وحرق كتبه أغنية “عليّ صوتك بالغنا… لسه الأغاني ممكنة” بصوت المطرب المصري النوبي محمد منير.

لم أكن لأسمح لنفسي الخوض في قرار الاعتزال ولا حتى التوبة لو كان موضوعنا قرارا خاصا مقدسا مصانا للحرية الشخصية، لكننا أمام شخصية عامة مهمة – على الأقل من حيث المتفاعلين مع قرارها- وقضية عامة أهم. لم يكن أدهم الأول ولن يكون الأخير في المبررات المعلنة للاعتزال. قرار اتخذه كثيرون قبله ومن ديانات وبلدان وأعمار مختلفة وبفوارق كبيرة من حيث حجم المال والشهرة أيضا. ربيع الخولي صار أبا راعيا لكنيسة وأتحفنا برائعته “أيتها البتول مريم”، و”باسمة” كرست صوتها للتراتيل الكنسية. فضل شاكر تجاوز مسألة “التوبة” وتحريم الغناء لحد اتهامه قضائيا بالعمل مع “جهاديين” أو بالأصح إرهابيين في لبنان وسوريا، ثم عاد بعد سبع سنين ليعتزل قرار اعتزاله ويصدح بأغاني الحب والغرام.

خلال إعدادي لهذه المقالة مودعين سنة مستقبلين عاما آخر، سمعت الكثير من أغاني أدهم للتعرف عليه فنيا فأيقنت أن الوسط الفني كما يراه قد خسره، لكنه أفسح بانسحابه المجال لنجم آخر يكتشفه عاصي الحلاني أو غيره من النجوم. تلك سنة الحياة. لكن ما يعنيني هو خسارة “موجودات” “واعدة” في معركة التنوير والترفيه الراقي. يعلم المعنيون في قطاع الثقافة والإعلام ومن قبل التربية والتعليم ووزارات أو مؤسسات الإرشاد الديني من الأديان كافة، أن مع كل اعتزال مقرون ب”توبة” ترى في الفن “حرمة” ضربة لأسس الوعي والانفتاح والنهضة والتقدم في المجتمع. ليس فقط في الشرق الأوسط. فكوكب الشرق أم كلثوم، والأيقونة الملائكية فيروز، وروح المقاومة الفرنسية للنازي الألماني المحتل المطربة إيديث بياف جميعها أيقونات لا يضيرها انحراف البعض عن رسالة الفن.

للأسف تنمّر كثيرون ليس فقط على أدهم ومن أيد قراره ولكن على معارضيه أيضا، وهذا التنمّر ليس من أخلاق أي مؤمن ولا أي فنان. كم كان جميلا لو تنبه بعض المعنيين بقطاع الثقافة مثلا لإرهاصات قرار الاعتزال، قد تكون تسويقية ولا ضير في تغيير الغناء مثلا من عاطفي إلى وطني أو ديني. وقد تكون مؤشرات أمنية وهذا هو الخطير الذي ينبغي دراسته وعلاجه. الاعتزال إن كان توبة ترى في الفن حراما أمر يستدعي اليقظة والحذر فقد يتبع التحريم تكفير وجميعنا نعرف نهايات ذلك المنحدر الزلق لا قدّر الله. مع أمنيات التوفيق لأدهم نابلسي أيا كان خياره على ألا يشطب أغانيه من يوتيوب ولا ينكر فضل إكس فاكتور ومهرجان جرش عليه!