وطنا اليوم _
بقلم: العقيد المتقاعد ليث المجالي
في منطقة اعتادت أن تتحول أزماتها بسرعة إلى حروب، يقف الأردن اليوم مرة أخرى أمام اختبار استراتيجي دقيق. فالتصعيد المتكرر في الإقليم، والتوترات بين القوى الكبرى والإقليمية، يضعان المملكة في موقع بالغ الحساسية؛ موقع الدولة التي تقع جغرافيًا في قلب الصراعات، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن الانخراط فيها قد يحمل مخاطر تفوق أي مكاسب محتملة.
الأردن تاريخيًا لم يكن دولة مغامرة في قراراتها الاستراتيجية، بل اعتمد نهجًا يقوم على الواقعية السياسية وإدارة التوازنات. فالمملكة ترتبط بعلاقات استراتيجية وثيقة مع الولايات المتحدة والغرب، وفي الوقت ذاته تحافظ على قنوات تواصل مع مختلف الأطراف الإقليمية. هذه المعادلة لم تكن خيارًا ترفيهيًا، بل ضرورة فرضتها الجغرافيا السياسية للأردن، الذي يجاور بؤر توتر مزمنة في فلسطين وسوريا والعراق.
لكن التحدي اليوم يتجاوز مجرد إدارة العلاقات الدبلوماسية. فالتصعيد الإقليمي يطرح مجموعة من المخاطر المباشرة وغير المباشرة التي قد تطال الأمن الوطني الأردني. فاحتمالات توسع الصراع في المنطقة تعني بالضرورة ضغوطًا أمنية على الحدود، وارتفاعًا في منسوب التوتر الإقليمي، واحتمالات اضطراب في طرق التجارة والطاقة. وفي عالم مترابط اقتصاديًا، فإن أي أزمة في الطاقة أو الملاحة الدولية تنعكس سريعًا على الاقتصادات الأكثر هشاشة.
ولا يمكن إغفال عامل آخر لا يقل أهمية، وهو الجبهة الداخلية. فالأردن، كغيره من الدول، يتأثر بالرأي العام الذي يتفاعل بقوة مع تطورات الإقليم، خصوصًا تلك المرتبطة بالقضية الفلسطينية. ومن هنا يصبح الحفاظ على الاستقرار الداخلي جزءًا أساسيًا من أي استراتيجية وطنية في التعامل مع الأزمات الإقليمية.
في ظل هذه المعادلة المعقدة، يبدو أن الخيار الأردني الأكثر حكمة يتمثل في سياسة الحياد النشط. فالأردن لا يستطيع أن يكون بعيدًا عن الأحداث بحكم موقعه الجغرافي، لكنه في الوقت نفسه يدرك أن الانخراط المباشر في صراعات المحاور ليس خيارًا واقعيًا. لذلك تسعى الدبلوماسية الأردنية عادة إلى لعب دور يركز على خفض التصعيد والدفع نحو الحلول السياسية، مستفيدة من شبكة علاقاتها الدولية والإقليمية.
غير أن إدارة التوازن وحدها لا تكفي. فالتحديات المقبلة تتطلب أيضًا رفع مستوى الجاهزية الأمنية وتعزيز الرقابة على الحدود، إلى جانب العمل على تقليل آثار الأزمات الاقتصادية المحتملة، خصوصًا تلك المرتبطة بالطاقة وسلاسل الإمداد.
إن التجربة الأردنية خلال العقود الماضية أثبتت أن بقاء الدولة واستقرارها لم يكن نتيجة الحظ، بل نتيجة سياسة حذرة تدرك حدود القوة وتوازن بين المصالح والواقع. وهذه السياسة، رغم ما قد يوجه إليها من انتقادات أحيانًا، كانت في كثير من الأحيان السبب في عبور المملكة أزمات إقليمية عاصفة دون أن تدفع أثمانًا باهظة.
وفي زمن تتسارع فيه الأزمات وتختلط فيه الحسابات السياسية بالمغامرات العسكرية، يبقى التحدي الحقيقي أمام الأردن هو الاستمرار في إدارة هذا التوازن الدقيق: حماية الأمن الوطني، والحفاظ على الاستقرار الداخلي، وتجنب الانزلاق إلى صراعات قد تعيد رسم المنطقة بطرق لا يمكن التنبؤ بنتائجها.
ففي الشرق الأوسط، قد تبدأ الحروب بقرارات سياسية… لكنها كثيرًا ما تنتهي بتغييرات استراتيجية لا يملك أحد السيطرة عليها.
#الأردن_والازمات
#السياسة_الدولية
#الشرق_الأوسط_والعاصفه
#تحليل_سياسي_حرب_ايران






