ليس عام ١٩١٧ ولا عام ١٩٤٨ أُنشأت اسرائيل

32 ثانية ago
ليس عام ١٩١٧ ولا عام ١٩٤٨ أُنشأت اسرائيل

د. عادل يعقوب الشمايله

الاهتمامُ باستكشافِ فلسطين بدأتْ مسيرتهُ بعثةٌ بريطانيةٌ ممولةٌ من صندوق استكشاف فلسطين (Palestine Exploration Fund) في الفترة ١٨٦٥-١٨٧٧ والتي تركزت أهدافها على رسم الخرائط لمناطق فلسطين، واستكشاف المواقع الاثرية، واعداد الابحاث الجيولوجية.
انتفعت الحركةُ الصهيونيةُ لاحقاً من نتائجِ اعمالِ هذه البعثة واستخدمتها وبنت عليها خطواتها التالية.
في الفترة ١٨٨٢-١٨٩٠ قام أفراد من حركة أحباء صهيون (Hovevei Zion) بزيارات لفلسطين وكان اهتمامهم الرئيسي التعرفَ على الموارد الزراعية فيها. تبعهم في العام التالي ١٨٩١ المدعو أحاد هعام (Ahad Ha’am) الذي انصبت اهتمامته (المعلنة) على المجالات الفكرية النقدية.
غيرَ أنَّ التخطيطَ والتنفيذَ الفعلي الهادفِ لترجمة المشروع السياسي الصهيوني الذي كان قد اعلن عنه هرتزل ابتدأ في السنوات 1908-1910. حيث زارت اول بعثة علمية هندسية صهيونية فلسطين إثرَ تأسيس شركة تطوير أراضي فلسطين (Palestine Land Development Company – PLDC) بقيادة آرثر روبين. ضمت البعثةُ الصهيونيةُ مهندسي مساحة، وخبراء زراعة وتربة، ومختصين في المياه والري وخبراء في القوانين العثمانية.
كان تأسيس شركة تطوير الاراضي منعطفًا حاسمًا في المشروع الصهيوني الذي انتقل من المبادرات الفردية ذات الطابع الأيديولوجي إلى استيطانٍ مخطَّطْ علميًا يستندُ إلى أدوات المسح الهندسي والتحليل الاقتصادي والدراسة القانونية.
خصوصا اذا علمنا انه سبق تأسيس الشركة
بسنواتٍ قليلةٍ صدورُ قانون الأراضي العثماني عام 1858 والذي أعادَ تصنيف الملكية العقارية الى (مِيري، مُلك، وقف، متروك). وقد حصر القانون حق الانتفاع بالاراضي المسجلة رسميا في دفاتر الطابو. لذلك ركّزت البعثة الصهيونية على دراسة هذا الإطار القانوني لا من زاوية نظرية بحثية وإنما لاختراق سوق الأراضي وشراء اكبر مساحات ممكنة من الاراضي (الميري) كونها غير مزروعة او تستغل من غير ملاكها حيث كان ينتفع بها الفلاحون الفلسطينيون بالتعدي. تلك الاراضي كان معظمها مسجّلاً بأسماء أعيان أو ملاك غائبين.
مَكَّنَ التكامل بين المعرفة التقنية بعد أن تأسست قاعدة بيانات شاملة، والنص القانوني العثماني من تجاوز العوائق الاجتماعية المحلية، وإعادة تشكيل الجغرافيا الريفية الفلسطينية على أسسٍ تخطيطيةٍ واقتصاديةٍ وتحويل الأراضي من فضاء معيشي للفلاحين إلى عمليةٍ اقتصادية قابلة للتداول والاستثمار لخدمة مشروع استعماري حديث الامر الذي جعل الاستيطان الصهيوني لاحقًا أكثر سرعة وتنظيمًا وفاعلية.
ويمكن القول ان الاعمال التي قامت بها البعثات المذكورة هي التي انتجت الشروط الموضوعية والضرورية لانتقال نوعي في طبيعة النشاط الصهيوني في فلسطين. إذ لم تعد الهجرة أو الاستيطان قائمين على الدوافع الأيديولوجية أو المبادرات الفردية، بل أصبحا يستندان إلى منهج علمي منظَّم يعتمد المسح الهندسي، والدراسة الاقتصادية، والتحليل القانوني وجمع بيانات تفصيلية حول الأراضي القابلة للاستيطان، ومصادر المياه، ونوعية التربة بما يتيح اتخاذ قرارات استيطانية دقيقة قائمة على حسابات الإنتاجية والاستدامة.
في المقابل، كان الجانب الفلسطيني يعيشُ حالةَ فراغٍ فكريٍ وسياسيٍ ومجتمعاً مفكك تقليدي غير منظم بدون رواد ولا قيادات، واقتصاد تقليدي بدائي هش ومعدلي فقر وبطالة عاليين وهذا ما ادى اليه الحكم العثماني الذي عمل على تصحير العقول في فلسطين والعالم العربي جنبا الى جنب مع تصحير الموارد لصالح حروبه العبثية في البلقان ومع القيصرية الروسية.