تنظيم الإعلام الرقمي.. استثمار وطني لحماية الوعي وإنصاف المهنية

دقيقتان ago
تنظيم الإعلام الرقمي.. استثمار وطني لحماية الوعي وإنصاف المهنية

نضال الثبيتات العمرو

يقتضي شرف المهنة وأمانة القلم من الإعلامي المتمرس أن ينأى بنفسه عن فخ الاستقطاب الأعمى، واقفاً على أرضية صلبة من الموضوعية التي لا تهادن في الحق ولا تجامل في الباطل؛ فالممارس الحقيقي للدور السلطوي الرابع لا يجد غضاضة في تفكيك القرارات الحكومية الجدلية وانتقاد مكامن الخلل فيها بجرأة، بقدر ما يندفع بوازع وطني للإشادة بالخطوات الإصلاحية الجادة التي ترمم بنيان الدولة وتعالج تشوهات أفرزها التقادم؛ ومن هذا المنطلق المتزن، الذي يزن الأمور بميزان المصالح العليا بعيداً عن ضجيج الرفض المسبق أو التطبيل المجاني، تأتي قراءة التوجهات الأخيرة لتنظيم الفضاء الرقمي بعين فاحصة تدرك أننا أمام استحقاق وطني لا يحتمل التأجيل.

تُمثّل الخطوة الحكومية الأخيرة بإعادة ضبط إيقاع الفضاء الرقمي في الأردن لحظة مفصلية تتجاوز في جوهرها فكرة الرقابة التقليدية لتلامس عمق السيادة الرقمية وتنظيم الوسط الإعلامي الذي عانَ طويلاً من اختلاط الحابل بالنابل؛ فلم يعد الفضاء الإلكتروني مجرد ساحة للترفيه أو التواصل الاجتماعي العابر، بل تحول بحكم الواقع وتطور الأدوات إلى منصة تأثير كبرى، وميدان لصناعة الرأي العام، وسوق اقتصادي يضخ الأموال، مما استدعى مغادرة مربع المتفرج إلى مربع الفاعل والمنظم.

يقرأ المتابع للمشهد الإعلامي تحول هيئة الإعلام من دور المراقب الكلاسيكي إلى دور (مهندس التنظيم) المسؤول، حيث جاء تحويل الأسباب الموجبة لمشروع النظام المعدل لنظام رخص وعقود البث وإعادة البث إلى ديوان التشريع والرأي كجزء من مسار تشريعي متكامل يمهد لتحديث البيئة الإعلامية بحلول عام 2026؛ فالفلسفة القائمة خلف هذا التحرك لا تهدف إلى تكميم الأفواه كما قد يتبادر لذهن المتسرعين، بل تسعى بوضوح لترسيم الحدود بين حرية التعبير الشخصية المقدسة، وبين العمل الإعلامي التجاري الذي يتطلب معايير مهنية ومسؤولية قانونية وأخلاقية.

حيث تفرض الضرورة اليوم التمييز الصارم بين الحسابات الشخصية للأفراد، التي ستبقى خارج نطاق التراخيص والقيود طالما بقيت في إطار التعبير الفردي، وبين النشاط الذي يتخذ صفة الامتهان، والترويج التجاري، والإنتاج الإخباري المنظم؛ فمن غير المنطقي أن يخضع المؤسس الإعلامي المحترف لكل معايير المساءلة والضريبة والتدقيق، بينما يمارس آخرون الدور ذاته وتأثيراً قد يفوقه، دون أدنى مسؤولية، مما يخلق منافسة غير عادلة وثغرة ينفذ منها التضليل والشائعات التي قد تضرب الاقتصاد والسمعة الوطنية قبل أن تظهر الحقائق.

فتحمل هذه الخطوات في طياتها نهجاً تشاركياً لافتاً، حيث تعهدت الهيئة بفتح قنوات الحوار مع الشركاء والمختصين والمجتمع المدني، لضمان خروج نظام عصري لا يحمي فقط الجمهور من المحتوى الهابط والمضلل، بل يحمي أيضاً صناع المحتوى الجادين من سرقة جهودهم وضياع حقوقهم في غابة رقمية لا قانون يحكمها؛ كما يُسجل لهذا التوجه استباقيته في إدراج أخلاقيات التعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، وهي خطوة تعكس وعياً بالمخاطر القادمة من تزييف للواقع وفبركة للصور، مما يضع الأردن في سياق عالمي متقدم يسعى لزيادة منسوب المسؤولية بالتوازي مع اتساع رقعة التأثير.

وعليه فهذا النظام يؤسس لمرحلة جديدة تعاد فيها الهيبة للمعلومة الموثوقة، ويتم فيها تحصين الوعي المجتمعي من الانفلات الذي هدد لسنوات ثقة الجمهور بمؤسساته؛ إنها محاولة جادة لضبط البوصلة قبل تفاقم المخاطر، واستثمار حقيقي في استقرار المستقبل، حيث يصبح الإعلام الرقمي بيئة صحية وآمنة، تضمن حرية الرأي المسؤولة، وتُخضع النشاط التجاري والإعلاني لقواعد الشفافية والمساءلة، بما يخدم المصلحة الوطنية العليا ويحفظ حق المجتمع في المعرفة النظيفة.