الإدارة بين القانون والواقع والضمير: مأزق القرار في الاردن والدول العربية

14 ثانية ago
الإدارة بين القانون والواقع والضمير: مأزق القرار في الاردن والدول العربية
د. عادل يعقوب الشمايله
في  فصل من كتابه The administrative  state  “دولة الادارة” تناول المؤلف دوايت والدو اشكالية تعريف وتحديد  مهمة الموظف العام، ومعضلة اتخاذ القرارات  بدءاً من رأس الهرم وحتى ادناه. 
وحيث أنه ركز على الادارة الامريكية فإنني سأحاول  إسقاط التحليل على واقع الإدارة في الأردن والعالم العربي.
نظرياً، تبدو الإدارة العامة جهازاً عقلانياً محايداً، يعمل وفق القانون، وينفّذ السياسات العامة لخدمة الصالح العام.
لكن في الواقع – خاصة في  الاردن والدول العربية – يعمل متخذ القرار يومياً في بيئة ادارية تحكمها معادلة معقّدة:
قانون غير واضح + توجيه متضارب + ضغط سياسي + واقع اجتماعي + ضمير شخصي.
وهنا يبدأ مأزق  متخذ القرار.
-النصوص القانونية لا تكفي وحدها لإنتاج قرار عادل.
-التعليمات الإدارية والتجربة المؤسسية التطبيقية لا تحسم دائماً اتجاه الفعل.
وحين يغيب الوضوح، يدخل الإداري منطقة رمادية، لا يحكمها النص، بل تحكمها الموازنة بين:
-ما يطلبه القانون
-ما يريده المسؤول الأعلى
-ما يفرضه الواقع
-وما يسمح به الضمير
هذه الموازنة ليست سهلة، ولا بريئة، ولا محايدة. 
1. مشكلة غموض القانون
يفترض الفكر الإداري الكلاسيكي أن القانون يُعَبر عن الإرادة العامة. وأن الدور  المنوط بالإداري هو تنفيذ وتطبيق القانون.
لكن في الواقع  الاردني والعربي، كثيراً ما تكون التشريعات:
-عامة الصياغة إلى حد الغموض.
-أو قاصرةً عن معالجة الحالات الواقعية
-أو  انظمة تنفيذية  صدرت متأخرةً عن تاريخ صدور القانون فاختلفت الظروف والمبررات.
-تعليمات متضاربة بين وزارة وأخرى.
لهذا، يتحول الإداري من مطبق للقانون الى مفسر للقانون ، وموازن، وأحياناً صانع سياسة دون  أن يكون لديه تفويض واضح.
وهنا تكمن الخطورة. عندما لا يملك  متخذ القرار مهما كان مستوى موقعه نصاً واضحا، بل مساحة تقدير واسعة، فإن عليه السير على خيط رفيع رغم الاحتمالية العالية للانزلاق. 
هذا الوضع  يدخل في ما سماه المؤلف:
السلطة التقديرية + البراغماتية + الضغوط
لذلك نجد ان متخذ القرار يختار:
-أحياناً ما هو الأسهل
-أحياناً ما يرضي الأعلى
-وأحياناً ما يجنّبه الصدام
وليس بالضرورة ما هو:
الأعدل أو الأصح أو الأكثر خدمة للصالح العام.
2. تضارب التوجيهات من السلطات العليا:
يتسائل المؤلف:
ماذا لو فُسّر القانون بطرق مختلفة من سلطات عليا في في وزارات او مؤسسات حكومية منفصلة ولكنها معنية؟ او اذا ما واجه متخذ القرار  احد المؤثرات التالية:
•توجيه من الوزير
•رأي من ديوان التشريع
•ملاحظة من ديوان المحاسبة
•ضغط من نائب
•طلب من متنفّذ
 من الطبيعي ان يختلف أثر المؤثر الخارجي اعلاه حسب موقع متخذ القرار والقوة النسبية للمؤثر الخارجي. 
النتيجة غالباً حسب تحليل المؤلف:
إدارة دفاعية لا إدارة مبادرة، همّها: السلامة الوظيفية، وليس الجودة العامة او الكفاءة وهما معياران اساسيان لما تقدمه الادارة الحكومية في نظر دافعي الضرائب والرقابة التشريعية والمالية والاعلامية.
3. تصادم الواجب العام مع الضمير
يطرح المؤلف أيضاً السؤال الأخطر:
ماذا لو تعارض الواجب العام مع الضمير الخاص؟ هذا المأزق شديد الحساسية في العالم العربي بوجه عام والاردن بوجه خاص لثلاثة اسباب على الاقل: 
الثقافة المجتمعية القوية
الروابط العائلية والعشائرية
والضغط الاجتماعي الكبير
لذلك يجد الإداري نفسه بين الازدواجية المعروفة:
-نص قانوني جاف
-حاله إنسانية مؤلمة
-ضغط اجتماعي مباشر
فيختار أحياناً: الحل العاطفي لا الحل المؤسسي. وأحيانا أُخرى الحل الشخصي لا الحل المتوافق مع التشريعات بمختلف تسمياتها.
4. البراغماتية الاردنية والعربية:
يتحدث المؤلف عن البراغماتية بمعنى:
ما الذي ينجح الآن؟
في واقعنا العربي، تحولت البراغماتية كثيراً إلى: ثقافة “مشيها وخليها على الله”. أي:
-تجاوز النظام لتسريع المعاملة
-التغاضي عن مخالفة “لتمشي الأمور”.
-تمييع القرار لتفادي المشكلة.
في هكذا بيئة ادارية،  وحيث أن متخذ القرار لا يعمل في فراغ، بل في مجتمع يعرفه ويعرف عائلته، ويطالبه، ويضغط عليه، ويحرجه، يصبح القرار ليس فقط قانونياً أو إدارياً، بل، إجتماعياً وأخلاقياً وشخصياً. هنا يحدث التصادم بين القانون المكتوب، والمصلحة العامة، والعدالة المتصورة من وجهة نظر متخذ القرار.
هذه الظروف المحيطة بمتخذ القرار  تؤدي الى:
إدارة قصيرة النفس
حلول مؤقتة
تراكم أزمات
5. النتيجة الواقعية
إذا جمعنا:
-غموض النص
-ضغط السياسة والمستويات الاعلى
-تضارب التوجيه
-ضعف الحماية المؤسسية
-ضغط المجتمع
نصل إلى: إداري لا يصنع سياسة، ولا ينفذ السياسة الموضوعة،  بل يناور داخل الفوضى.
عندما يُترك القرار للبراغماتية وحدها – أي لمنطق “ما الذي ينجح الآن” – يتحول العمل العام إلى إدارة لحظية للأزمات، لا إلى بناء مؤسسي طويل المدى.
وتصبح المعايير:
-تخفيف الضغط
-إرضاء المتنفّذ
-تجنّب الشكوى
-احتواء المشكلة مؤقتاً
وليس
-تحقيق العدالة
-ترسيخ سيادة القانون
-حماية المصلحة العامة
وهذا ما يفسّر كثيراً من:
-التناقض في القرارات
-الازدواجية في التطبيق
-الانتقائية في الحزم
الخلاصة: تعاني الإدارة في الاردن من أزمة كفاءة ومن أزمة المعايير، وأزمة في تحديد ما الذي يجب أن يوجّه القرار.
هل هو النص؟
أم المصلحة؟
أم الضغط؟
أم الواقع؟
أم الضمير؟
ومن دون حسم هذه المسألة، ستبقى الإدارة تدور في حلقة:
قرارات مؤقتة، حلول ترقيعية، وأزمات مؤجلة.
إن إصلاح الإدارة لا يبدأ من الهياكل فقط، بل من بناء فلسفة واضحة للقرار الإداري. فلسفة تقول للإداري:
-متى يلتزم حرفياً؟
-متى يمارس التقدير؟
-ومتى يرفض؟
-ومتى وماذا يتحمل؟