د. محمد الهواوشة يكتب: فنزويلا بعد مادورو: حين تحاكم الدول لا الاشخاص

4 يناير 2026
د. محمد الهواوشة يكتب: فنزويلا بعد مادورو: حين تحاكم الدول لا الاشخاص

د. محمد الهواوشة :
لم يكن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله الى سجن في نيويورك حدثا عابرا، ولا مجرد اجراء قضائي معزول عن سياقه السياسي. نحن امام لحظة فارقة في العلاقات الدولية، حيث لم يعد الصراع يدار عبر الانقلابات او العقوبات فقط، بل عبر القضاء بوصفه اداة قوة، والعدالة بوصفها خطابا سياسيا.
فنزويلا، الدولة التي تمتلك اكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم، لم تسقط فجاة في هذا المشهد. ما جرى هو ذروة صراع طويل بين مشروعين: مشروع سلطة محلية يرفع شعار السيادة ويرفض الانصياع، ومشروع دولي—تقوده واشنطن—يرى ان التحكم بمصادر الطاقة ومسارات الحكم لم يعد ممكن دون كسر الرموز السياسية نفسها.
تصريح وزيرة العدل الامريكية باميلا بوندي بان مادورو وزوجته “سيواجهان كامل غضب العدالة الامريكية” لم يكن مجرد جملة قانونية، بل رسالة سياسية واضحة. وهنا يبرز السؤال الفلسفي العميق: هل تغضب العدالة؟ ام ان الغضب صفة للسياسة حين ترتدي عباءة القانون؟
بين روايتين… منطقان مختلفان
من وجهة النظر الامريكية، يقدم اعتقال مادورو على انه انتصار للقانون الدولي، ومحاسبة لرئيس متهم بالفساد والانتهاكات. هذه الرواية تجد صدى لدى جزء من الداخل الفنزويلي، وخاصة لدى المعارضة التي تقودها ماريا كورينا ماتشادو، والتي ترى ان اسقاط رأس النظام هو المدخل الوحيد لانقاذ الدولة.
اما من وجهة نظر مادورو وانصاره، فيقرأ المشهد بوصفه انتهاكا صارخا للسيادة، وتدخلا مباشرا لاعادة تشكيل الحكم بالقوة الناعمة الصلبة معا. فالرجل، مهما كانت الملاحظات عليه، رئيس منتخب وفق النظام القائم، وما جرى ليس محاكمة فرد، بل محاكمة دولة قررت ان تكون خارج الطاعة الجيوسياسية.

من يحكم فنزويلا الان؟
السؤال الاخطر لا يتعلق بمادورو، بل بما بعده. الاحتمالان المطروحان يعكسان صراعا داخليا ودوليا في آن واحد:
ديلسي رودريغز، نائبة الرئيس، تمثل استمرارية النظام، لكنها بلا كاريزما مادورو ولا غطائه السياسي.
ماريا كورينا تمثل قطيعة كاملة مع المرحلة السابقة، لكنها محاطة بحساسية شعبية، ومخاوف من تحول فنزويلا الى ساحة نفوذ مباشر.
اي كان السيناريو، فنزويلا مقبلة على مرحلة انتقالية صعبة، لان المشكلة لم تكن يوما شخصا واحدا، بل نظاما اقتصاديا منهكا، ومجتمعا منقسما، ودولة محاصرة.

وماذا يريد ترامب؟
هنا نصل الى لب المسألة. دونالد ترامب لا يتحرك بدافع اخلاقي بحت، بل بعقلية رجل يرى العالم من زاوية المصالح. هدفه الاساسي يمكن تلخيصه في ثلاث نقاط:
اعادة ضبط سوق الطاقة عبر كسر احتكار الانظمة غير الصديقة.
توجيه رسالة ردع لكل من يخرج عن الفلك الامريكي.
تحقيق نصر سياسي داخلي يقدم للرأي العام بوصفه انتصارا للقانون.
فنزويلا، في هذا السياق، ليست الهدف النهائي، بل النموذج.

الخلاصة
ما جرى في فنزويلا ليس نهاية أزمة، بل بداية مرحلة اخطر. حين تصبح العدالة عابرة للحدود بإرادة دولة واحدة، نكون امام نظام دولي جديد لا يقاس فيه الشرعية فقط بصناديق الاقتراع، بل بمدى القبول الدولي.

السؤال الحقيقي لم يعد: هل كان مادورو مذنبا؟
بل: هل ما جرى سيطبق على الجميع… ام فقط على من لا يملك القوة؟