بنك القاهرة عمان

أدوم في المصادر التاريخية

منذ 5 ثواني
أدوم في المصادر التاريخية

أ.د. زيدان كفافي

سكن الأدوميون المنطقة الواقعة إلى الجنوب من وادي الحسا بجنوبي الأردن. توصف هذه المنطقة بأنها وعرة المسالك ، وغير خصبة، إذ تحتل مناطق وادي عربة وجبال الشراه والحسمى مساحات واسعة منها. واتسعت مساحة أدوم خلال نهاية العصور الحديدية لتصل لمنطقة النقب بجنوبي فلسطين ، لكن كان لموقع “دومة الجندل” بمنطقة الجوف بشمالي المملكة العربية السعوديةعلاقة بأدوموأنهم جاؤوا من هناك،؟ كما اقترح المرحوم العالم  الأستاذ الدكتورعرفان شهيد (Shahid 2009)، لا زال  قيد الدراسة.  وقد ورد في  كتاب العهد القديم في سفر التكوين (36: 8-9) أن اسم هذه المنطقة  هو”سعير Se’ir” .

 

والسؤال المطروح الآن ، هو: من  سبق الأدوميين في سكنى هذه المنطقة؟ هل هم “المدينيين”، كما يدور الحديث الآن…؟  وإن كانت الإجابة إيجابياً، فهل يعني أن الأدوميين هم أحفاد المديننين؟  وهل المدينيين هم القبائل البدوية التي سكنت جنوبي بلاد الشام في القرن الثالث عشر قبل الميلاد وأسمتهم الكتابات والوثائق الفرعونية باسم “شاسّو Šasu”؟  من هنا وجدت نفسي مضطراً أن أقدم في هذه الخاطرة معلومات حول “أدوم في المصادر التاريخية”، حيث أنها تحت المجهر في الوقت الحاضر.

ذكر الاسم  “أدوم” في المصادر الفرعونية، والآشورية، والبابلية الحديثة.، أما الشواهد الأثرية الأدومية فهي تغطي مساحة واسعة في منطقة جنوبي وادي الحسا، وأهم مواقعها: بصيرة (العاصمة) وأم  البيارة، وطويلان، وتل الخليفه (عصيون جابر) على رأس خليج العقبة، وأضم إليها مواقع تعدين النحاس بوادي فينان.

وورد ذكر “أدوم” في المصادر الفرعونية في رسالة  أرسلها ضابط حدود  موجهة للفرعون  (مرنبتاح 1224- 1214 قبل الميلاد) يقول فيها “أننا سمحنا للقبائل البدوية الأدومية لتعبر قلعة مرنبتاح  حوتب – حير…للحفاظ على حياتهم  وحياة مواشيهم” واقتبس أدناه هذا النص باللغة الانجليزية:

Another communication to my [lord], to [wit: We] have finished letting the Bedouin tribes of Edom pass the Fortress [of]Mer-ne-Ptah Hotep-hir-Maat-life, prosperity, health!-which is (in) Tjeku, to the pools of Per-Atum……….to keep them alive and to keep their cattle alive…”(Pritchard 1955: 259). 

وتبين هذه الرسالة بوضوح أن أدوم كانت موجودة منذ القرن الثالث عشر قبل الميلاد. ويمكننا الإضافة أن المصطلح أو الاسم  “‘i-d-ma” قد ورد في  القوائم الطوبوغرافية من زمن الفرعون تحتموس الثالث (حوالي 1490 – 1436 قبل الميلاد) ، واقترح بعض الباحثين (Helck 1971:243-244) أنه مقابل للإسم  أدوم.

وعودة لإسم المكان سعير Se’ir  فقد ذكر أول مرة في رسائل تل العمارنة المؤرخة للقرن الرابع عشر قبل الميلاد، وبشكل محدد في الرسالة  رقم  (EA, No. 288)  التي أرسلها حاكم القدس (أورشليم) واسمه عبده-حبّا (المحب عبده) إلى الفرعون المصري أمنحوتب الثالث  ويعلمه بوجود حرب مشتعلة  وصلت إلى أرض سعير. وأقتبس أدناه النص الانجليزي: 

To the king, my lord, my Sun-god, say: Thus ‘Abdu-Heba, thy servant……………………The land of the king is lost; in its entirety (25) it is taken from me; there is war against me; as far as the land of Seir  (and) as far as Gath-carmel……”(Pritchard 1955:488).

وتوالى ذكر منطقة سعير في المصادر الفرعونية، إذ ورد في نص مكتوب على ورقة بردي من زمن الفرعون رمسيس الثاني (1290 – 1224 قبل الميلاد) بأن هذا الفرعون هاجم بلاد سعير ونهبها  (Kitchen 1992: 26-27). 

وبعد سقوط الامبراطورية الفرعونية في نهاية القرن الثالث عشر قبل الميلاد، حلّ محلها سيطرة آشورية على منطقة شرقي البحر المتوسط، خاصة في الألف الأول قبل الميلاد، أخذ اسم “أدوم” يتردد في هذه المصادر.  فلقد ذكر الملك الآشوري أدد-نيراري الثالث (حوالي 810 – 783 قبل الميلاد) بأن قواته قد أتبعت أدوم لمملكته.  علماً أن بعض المؤرخين يرى أن أدوم دخلت طوعاً في تبعية الحكم الآشوري لحمايتها من أعدائها مقابل دفع الجزية. واستمرت تبعية أدوم وعمون ومؤآب لآشور في زمن حكم الملك تيغلات-بلاسر الثالث حيث هاجم فلسطين في عام 734 قبل الميلاد، وخضعت جميع المنطقة لحكمه. 

ورد اسم أدوم، وأسماء الملوك الأدوميين في المصادر الآشورية  أكثر من مرة، فعلى سبيل المثال لا الحصر وفي نقش عمائري من زمن الملك تيغلات – بلاسر الثالث يذكر اسم الملك الأدومي “قوس- ملكو Qosmalku (Kaushmalaku)   من بين الملوك  الذين دفعوا له الجزية  (Pritchard 1955: 282). كما ورد اسم أدوم  في رسالة من زمن الملك  سرجون الثاني بين عدد من أسماء البلدان الأخرى التي تحالفت  ضده أثناء حملته على فلسطين عام 712 قبل الميلاد. إضافة إلى ذلك فقد قدم الملك الأدومي (عيّار- عمو Aiarammu) الهدايا للملك سنحاريب في عام 701 قبل الميلاد. كما أن الملك الأدومي  ( قوس-جبّار Qaushgarbi) كان واحداً من بين إثني عشر ملكاً قدموا مواداً لبناء قصر الملك الآشوري (أسرحدون) في نينوى (Pritchard 1955:291). كذلك تابع هذا الملك الأدومي تقديم الهدايا للملوك الآشوريين ، إذ أهدى للملك (آشور-بنيبال). ولتأكيد الصفة الملكية لملوك أدوم فقد عثرت الباحثة البريطانية كريستال بنت في حفرياتها في موقع أم البيارة على طبعة ختم مطبوعة على سدادة جرة تخص الملك قوس-جبّار، وتصفه بملك أدوم.

ويعتقد كثير من الباحثين أن تكرار الحملات الآشورية على فلسطين فتح الباب أمام الأدوميين للدخول إلى منطقة النقب، أي إلى الغرب من وادي عربه. وقد أكد هذا الكلام الحفريات الأثرية التي جرت في عدد من مواقع هذه المنطقة وتبين أنها أدومية من خلال المعثورات الأثرية التي وجدت فيها. ويظهر أن الدولة الأدومية قد ازدهرت خلال القرن السابع قبل الميلاد، على الرغم من كونها أنها كانت تابعة لآشور. وازداد توسع أدوم بجنوبي فلسطين بشكل خاص بعد زوال وسقوط دولة يهوذا على يد الملك البابلي (نبوخذ-نصر) في عام 586 قبل الميلاد.  وعثر في موقع  في النقب يسمى خربة كتميت ( الاسم العبري Horvat Qitmit) في الحفريات التي أجريت في الفترة بين 1984-1986م  على مركز ديني أدومي بني فيه مذبح مستدير الشكل. ويبدو لنا أن الملك البابلي نبونيد قد هاجم مملكة أدوم خلال حملته على المنطقة في منتصف القرن السادس قبل الميلاد، إذ عثر حديثاً على مسلة له منحوته على الصخر في بلدة السلع بالقرب من مدينة الطفيلة.

ويبدو أنه وبعد سقوط المنطقة تحت الحكم الفارسي في عام 539 قبل الميلاد، تم بناء عدد من المراكز الحضرية في المناطق المحيطة ببصيرة وطويلان  وفي النقب. ويدل على هذا الأسماء الأدومية المكتوبة على الفخار والتي وجدت في مواقع “عراد” بفلسطين و “تل الخليفه” في الأردن وكلها تؤشر على وجود بلدات أدومية خلال القرن الخامس قبل الميلاد في غربي وادي عربه. أما بعد دخول اليونان لهذه المنطقة في عام 332 قبل الميلاد، فقد تحول اسمها من أدوم الى  (أدوميا Idumea) (Bartlett 1972).

خاتمة القول، أن القرن الرابع قبل الميلاد شهد ظهور الأنباط الذين استوطنوا شرقي وادي عربة، فهل هؤلاء الأنباط هم أحفاد الأدوميين، أم أنهم أقوام جاءت من خارج المنطقة؟ سؤال بحاجة إلى خاطرة أخرى.

Bibliography:

Bartlett, J. R. 1972; The Rise and Fall of the Kingdom of Edom. Palestine Exploration Quarterly 104: 26-37.

Helck, W. 1971; Die Beziehungen Agyptens zu Vorderasien im 3 und 2 Jahrtausand v. Chr., 2nd edition. Wiesbaden.

Kitchen, K. A. 1992; The Egyptian Evidence on Ancient Jordan. Pp. 21-34 in P. Bienkwoski (ed.), Early Edom and Moab:The Beginning of the Iron Age in Southern Jordan. Sheffield Archaeological Monographs 7. Sheffield: J.R. Collins.

Pritchard, James 1955; Ancient Near Eastern. Texts Relating to the Old Testament. Princeton: Princeton University Press.

Shahid, Irfan 2009; The Ethnic Origin of the Edomites. Sudies in the History and Archaeology of Jordan 10:133-136.