بنك القاهرة عمان

الثانوية.. الموارد البشرية

18 أغسطس 2021
الثانوية.. الموارد البشرية

د. خالد الوزني

من الرشاقة في التفكير المؤسَّسي أن تنظر إلى جوانب وزوايا غفل عنها البعض أو انشغل بغيرها في خضم الجلبة التي تخلقها بعض المعطيات والمواقف الآنية في العالم. ولعلَّ من الجوانب التي تحتاج إلى تفكير خارج الصندوق اليوم قضايا تتعلَّق بالموارد البشرية، في ظلِّ تراكمات أزمة كورونا، وتفاقم بطالة الشباب الناتجة أساساً عنها، وزيادة وتيرة العمل عن بُعد، الذي زاد من حجم وقنوات الاقتصاد غير الرسمي عالمياً.

ففي جانب الموارد البشرية، وفي هذه الفترة من كلِّ عام تحديداً، تبرز أهمية معالجة ما ينتجه النظام التعليمي عالمياً من مخرجات مراحل التعليم قبل الجامعي، بعد انتهاء ما يقرب من 12 عاماً من التدريس والتعليم. ففي معظم دول العالم لا يتجاوز الناجحون من تلك المرحلة نحو 50 – 60% من المتقدمين لشهادة الثانوية العامة، أو ما يعادلها لدى دول العالم من مؤهل أو متطلب للانتقال إلى مرحلة التعليم الجامعي. وبالقدر الذي تنشغل فيه الدول والحكومات في استيعاب الناجحين في النظام التعليمي الجامعي، يغدو من الضرورة الانتباه إلى خرجي تلك المراحلة ولم يحالفهم الحظ، أي دون شهادة، أو بشهادة بمعدلات أو علامات لا تؤهلهم لاستكمال دراستهم الجامعية، أو حتى لا تسمح إمكاناتهم المادية بالسعي نحو التعليم الجامعي. هؤلاء لا يقلون عن 50% من إجمالي خريجي مراحل التعليم المدرسي قبل الجامعي، وهم أكثر الموارد البشرية عرضة لسوق الاقتصاد غير الرسمي، وسوق الاستقطاب المحمود وغير المحمود اجتماعياً، ودينياً، وسياسياً. المعالجة التي تقدمها أفضل التطبيقات العالمية، وخاصة في الدول المتقدمة، تقوم على توفير مراكز تأهيل وتطوير مهارات تتطلبها سوق العمل، أي تجنيد مراكز للتدريب المهني لتوجيه وتطوير الكفاءات، وتزويد هذه الفئات بمتطلبات مِهَارية تساعدهم، خلال عام أو أقل، على دخول سوق العمل في التخصصات التي يحتاجها ذلك السوق. وهو أمر من مسؤولية الحكومات حول العالم، ويتم عبر قنوات التدريب المهني المجاني، ويقوم على تدريب ومؤهلات مهارية في مجالات اللغة، واستخدامات التكنولوجيا والرقمنة، ومهارات الاتصال والتواصل. هذه الزاوية من الموارد البشرية يجب ألَّا تغفل عنها الحكومات. ويكفي أن نعلم مثلاً، أنه في هذا العام فقط، قد يبلغ عدد المستهدفين الجدد من هذه البرامج في دولة كالأردن نحو 100 ألف شاب وفتاة، حيث تشير إحصاءات الذين تقدموا لشهادة الثانوية العامة الأردنية لعام 2021 إلى نحو 250 ألف شخص، لم يُحالف الحظ نحو 100 ألف منهم، وهناك ما لا يقل عن 20% من الناجحين لن يتمكَّنوا من دخول المراحل الجامعية المعروفة، أي نحو 30 ألف طالب وطالبة، وحتى لو افترضنا أنَّ هناك 50% من مجموع هؤلاء سيحاولون الإعادة في العام المقبل، فإنَّ الرقم المتبقي الذي سيواجه معضلة البحث عن فرص في الاقتصاد لن يقلَّ عن 60 ألف شاب وفتاة. النظرة الإيجابية تُحتِّم استيعاب هذه الشريحة، دون مقابل، في مراكز تأهيل المهارات، ضمن برامج خدمة وطنية، تحتوي على نظام الانضباط، وحسن التعامل والتميز في تقديم الخدمات، والولاء والانتماء للوطن، وضمن برامج مهنية احترافية، وتحديداً في المجالات المطلوبة لسوق العمل، وخاصة تلك التي تتطلَّب مهارات اتصال، وتكنولوجيا معلومات، وفنِّيّي رقمنة، ومساعدي تطوير دعم أعمال في المجال الهندسي، والطبي، والسياحي، والتعليمي، وصناعات الحلول الذكية التكنولوجية. على الدول التي تواجه هذه الثروة البشرية أن تستغلها، وأن تحولها إلى طاقة مُنتجة وداعمة للاقتصاد، وخلافاً لذلك ستتحوَّل تلك الطاقات إلى عبء اقتصادي، واجتماعي، وسياسي، قد تؤدي تراكميته إلى طاقة سلبية اجتماعية وسياسية ودينية، وهو ما لا تتمنّاه أيُّ دولة في العالم.

khwazani@gmail.com