الوطن لا يحتمل هذا النزيف

19 فبراير 2026
الوطن لا يحتمل هذا النزيف

م. مدحت الخطيب

الحديث عن تعديل قانون المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي ليس ترفًا تشريعيًا ولا سجالًا عابرًا، بل قضية تمس حاضر الأردنيين ومستقبل أبنائهم.
نعم، نحن على قناعة راسخة بأن الضمان يحتاج إلى مراجعات تحافظ على موجوداته وتُبقيه قويًا للأجيال القادمة. هذه ليست وجهة نظر فئوية، بل ضرورة وطنية تمليها الأرقام قبل العواطف.
لكن في المقابل، لا يجوز أن تُصاغ التعديلات بعيدًا عمّن يدفعون الاشتراكات ويشكّلون عماد الصندوق. المؤمن عليهم هم أصحاب المصلحة الحقيقية، وهم الشركاء الفعليون في استدامة هذا الكيان. ومن غير المقبول أن يُختزل دورهم في تلقي القرارات بعد صدورها. المشاركة ليست منّة، بل حق أصيل، خصوصًا لمن خاضوا نقاشات الدراسات الاكتوارية ويدركون بدقة حجم التحديات كما يعرفون مساحات الحلول الممكنة فامنحونا شرف الدفاع عن الوطن والمواطن بعيداً عن المؤلفة قلوبهم…
المكاشفة الصادقة في ملف الاستثمار ضرورة لا تحتمل التأجيل. أموال الضمان ليست أرقامًا جامدة في جداول، بل تعب أعمار وعرق سنين. الشفافية الكاملة في إدارة الاستثمارات، ونشر البيانات بوضوح، ومصارحة الناس بالنجاحات قبل الإخفاقات، هي الطريق الأقصر لتعزيز الثقة، لا لإضعافها…
أما سقف التقاعد، فإن وضع حد أعلى عادل – وليكن خمسة آلاف دينار ويطبق بأثر رجعي وعلى الجميع ما دام الصندوق خلق تكافلي – يرسّخ مبدأ العدالة الاجتماعية ويحدّ من التشوهات، الضمان وُجد ليحمي القاعدة العريضة من العاملين، لا ليُكرّس فجوات لا تنسجم مع فلسفته العدالة هنا ليست شعارًا سياسيًا، بل معيارًا ماليًا وأخلاقيًا يجب أن ينعكس في بنود القانون…
وفي ملف التقاعد المبكر، التنظيم مطلوب لضمان الاستدامة، لكن العدالة والتدرج أكثر إلحاحًا، لا يُعقل أن يفصل شهر واحد بين موظف وآخر، فيُفرض على أحدهما تأخير تسع سنوات كاملة، هذا ليس إصلاحًا متوازنًا، بل صدمة تشريعية تمس الاستقرار الأسري والاجتماعي. أي تعديل ينبغي أن يكون مرحليًا، منصفًا، ويراعي من هم على أعتاب التقاعد، ويحفظ حقوق من بنوا خطط حياتهم على تشريعات نافذة.
الإصلاح الحقيقي لا يكون بقرارات فجائية، بل بحوار وطني صريح، تشارك فيه النقابات، والخبراء، والمؤمن عليهم، وتُعرض فيه الأرقام بوضوح، وتُتخذ فيه القرارات بروح المسؤولية الجماعية.
الضمان الاجتماعي ليس صندوقًا ماليًا فحسب؛ هو عقد ثقة بين الدولة ومواطنيها. وإذا اهتزت الثقة، فلن تُصلحها الأرقام وحدها.
حمى الله الوطن من الفتن ما ظهر منها وما بطن، فما زال على هذه الأرض ما يستحق البناء والعمل…