د ابراهيم النقرش
في زمنٍ تتزايد فيه التحديات الاقتصادية، وتتقلص فيه فرص العمل، ويثقل فيه عبء البطالة كاهل المجتمعات الطرفية، تبرز أحياناً نماذج قيادية لا تصنع النجاح فحسب، بل تعيد تعريف معنى الإدارة الاقتصادية ودورها في الاستقرار المجتمعي. ومن بين هذه النماذج تبرز تجربة مديرة أحد المصانع الصناعية في الأغوار الشمالية، السيدة سناء الحموري، بوصفها حالة إدارية واقتصادية تستحق التوقف والتحليل.
هذه التجربة لا تنبع من موقع رسمي أو دعم حكومي مباشر، بل من قطاع خاص استثماري أجنبي، أدارته امرأة لم يكن تخصصها الأكاديمي مرتبطاً بحياكة الملابس أو صناعتها، لكنها امتلكت ما هو أهم في علم اقتصاد الأعمال: الإرادة الإدارية، والقدرة على التعلم، والمرونة التنظيمية، والرؤية الاقتصادية.
من خلال الانخراط في الدورات التدريبية والتأهيل المستمر، استطاعت سناء الحمري أن تتكيف مع قطاع جديد كلياً، وأن تطبق مفاهيم الإدارة الحديثة، متجاوزة منطق “التخصص الجامد” إلى منطق المهارة القابلة للتحول (Transferable Skills)، وهو أحد المفاهيم الجوهرية في الاقتصاد المعاصر وسوق العمل الحديث.
بدأ المصنع بطاقة تشغيل تقارب 300 موظف، غالبيتهم من النساء، في منطقة تُعد من أكثر مناطق الأردن تهميشاً من حيث الفقر والبطالة وقلة الفرص، قبل أن يرتفع العدد تدريجياً إلى نحو 800 موظف، يعملون في صناعة ملابس مخصصة للتصدير وفق معايير جودة عالمية وتحمل منتجاتهم وسم “صنع في الأردن” لأسواق دولية.
من منظور اقتصاد الأعمال، تمثل هذه التجربة تطبيقاً عملياً لنظرية القيمة المضافة المحلية (Local Value Creation)، حيث لا يقتصر العائد على الربح المالي للمستثمر، بل يمتد ليشمل تشغيل الأيدي العاملة، ورفع مهاراتها، وتحويل البطالة إلى طاقة إنتاجية، وهو ما ينعكس مباشرة على تقليل الضغط الاجتماعي والاقتصادي على الدولة.
اللافت في تجربة سناء الحمري ليس التوسع العددي فحسب، بل المنهج الإداري الذي اعتمدته. فقد واجهت عند سعيها لرفع أجور العاملين عوائق مالية وإدارية، وهي إشكالية شائعة في الاقتصاد الصناعي كثيف العمالة. غير أن المعالجة لم تكن تقليدية، بل اتسمت بفكر اقتصادي مرن قائم على مفهوم إدارة التعويضات غير المباشرة (Indirect Compensation Management).
فبدلاً من زيادة الأجور النقدية فقط، أعادت توزيع القيمة الاقتصادية المتاحة عبر حزمة من المنافع والخدمات شملت:
التأمين الصحي، تطوير النقل، الضمان الاجتماعي، الحضانات، الوجبات اليومية، والدعم الطبي والنفسي، بما يعادل – بل ويتجاوز – أثر الزيادة النقدية على دخل العاملين الحقيقي.
هذا التوجه ينسجم مع نظرية الأجر الكلي (Total Reward System)، التي تؤكد أن رضا العامل وإنتاجيته لا ترتبط بالأجر النقدي وحده، بل بمجموع المنافع الاقتصادية والاجتماعية التي يحصل عليها داخل بيئة العمل.
وفي الوقت ذاته، تم ربط الأجر بالإنتاج والحوافز، بما يعكس فهماً دقيقاً لنظرية الحافز والإنتاجية (Incentive-Based Productivity)، الأمر الذي أدى إلى تحسين جودة المنتج، ورفع الكفاءة التشغيلية، وزيادة الربحية، مع إشراك العاملين بشكل مباشر في نتائج الأداء، مما عزز الانتماء المؤسسي والاستقرار الوظيفي.
من الناحية الإدارية، تمثل هذه التجربة نموذجاً واضحاً لـ القيادة التحويلية (Transformational Leadership)، حيث لا يقتصر دور القائد على الإدارة اليومية، بل يمتد إلى بناء الإنسان، وتغيير السلوك التنظيمي، وخلق ثقافة عمل قائمة على الثقة والتمكين والتطوير.
أما اجتماعياً، فقد تحوّل المصنع إلى حاضنة مجتمعية حقيقية، لا توفر العمل فقط، بل تعيد دمج المرأة في النشاط الاقتصادي، وتنقلها من الأمية المهنية إلى الاحتراف، ومن البطالة إلى الإنتاج، ومن التبعية إلى الاستقلال الاقتصادي، وهو ما ينعكس مباشرة على الأسرة والمجتمع المحلي.
وتتجلى المسؤولية المجتمعية للمؤسسة في انخراط الإدارة في توعية العاملين والمجتمع المحيط بالطبيعة القانونية للمصنع، وأهميته الاقتصادية، ودوره في التنمية المحلية، بما ينسجم مع مفهوم المسؤولية الاجتماعية للشركات (CSR) بوصفها استثماراً طويل الأجل في الاستقرار الاجتماعي لا عبئاً مالياً.
وفي ظل التزام المصنع بالمعايير الدولية لحقوق العمال، والتعاون مع المنظمات الدولية، واحترام أحكام الدستور الأردني وقانون العمل، تتجسد صورة القطاع الخاص المنتج القادر على تحقيق ما تعجز عنه أحياناً مؤسسات عامة مثقلة بالبيروقراطية والخسائر المالية، وهو ما يدعم عملياً إحدى ركائز النظرية الاقتصادية الحديثة التي ترى أن القطاع الخاص الكفؤ هو محرك النمو الحقيقي متى ما حُسن تنظيمه ورقابته.
إن تجربة سناء الحمري تمثل دليلاً عملياً على أن القيادة لا تُقاس بالنوع الاجتماعي، بل بالكفاءة والرؤية والقدرة على اتخاذ القرار. وهي نموذج لقيادة نسائية خرجت عن الإطار التقليدي لدور المرأة في المجتمع الأردني، وانتقلت من الحضور الرمزي إلى التأثير الاقتصادي الحقيقي.
لقد كان لقائي بهذه القيادية محض صدفة خلال زيارة ميدانية، دون معرفة مسبقة، غير أن الحوار الفكري الذي دار معها – من منظور اقتصاديات الأعمال – كشف عن وعي إداري واقتصادي عميق، أكد أن لدى بعض النساء من القدرة على الإدارة والتخطيط ما يفوق كثيراً من النماذج التقليدية السائدة.
إن مثل هذه النماذج لا تستحق الإشادة الإعلامية فحسب، بل الدعم الحكومي، والتوثيق، والتعميم كنماذج يُحتذى بها في المشاريع الصغيرة والمتوسطة، لما لها من دور مباشر في محاربة البطالة والفقر، وتعزيز النمو الاقتصادي، وترسيخ الاستقرار الاجتماعي والسياسي، خاصة وأن البطالة والفقر يشكلان القاعدة الأوسع لعدم الاستقرار في المجتمعات.
إن سناء الحمري ليست مجرد مديرة مصنع، بل حالة اقتصادية-إدارية وطنية تؤكد أن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان، وأن الإدارة الواعية قادرة على تحويل الأطراف المنسية إلى نقاط إنتاج، وعلى تحويل التحديات إلى فرص، وعلى بناء اقتصاد وطني من القاعدة إلى القمة.






