حول استخدام الكلمات الأجنبية في كلامنا

ساعة واحدة ago
حول استخدام الكلمات الأجنبية في كلامنا

د. محمد عبد الله القواسمة

من الظواهر اللافتة، في كلام الناس هذه الأيام تهجين كلامهم العربي، بكلمات من اللغات الأجنبية، وبخاصة اللغة الإنجليزية. ولا يقتصر هذا النوع من الكلام على فئة دون غيرها، فكل فئات المجتمع العامة والخاصة نجد من بينها من يُطعّمون لغتهم بكلمات من لغات الآخرين.

والغريب أن نشاهد هذه الظاهرة بين أساتذة الجامعات من ذوي التخصصات الإنسانية، ومنها اللغة العربية وآدابها. كما نسمع لغتنا مهجّنة في الملتقيات والندوات والمؤتمرات التي تكون باللغة العربية؛ ففيها من يستخدم كلمات أجنبية بديلًا عن الكلمات العربية.

أذكر أني كنت مشاركًا في إحدى الندوات، فنهضت من بين الحاضرين سيدة. بعد أن امتدحت ما قاله المحاضر، تمنّت لو أنه لم يستخدم الكلمات الأجنبية أثناء محاضرته، وأنهت ملاحظتها بقولها: ميرسي بليز Merci Please كانت ملاحظتها جيدة لو أنها لم تقع في الخطـأ الذي وقع فيه المحاضر.

والأكثر غرابة أن نسمع الكلمات الأجنبية في خطب الجمعة ودروس الوعظ في المساجد؛ ففي خطبة أول جمعة من شعبان بالمسجد الكبير في عمان كان الخطيب يتحدث عن فضائل شهر شعبان، وذكر من بينها أن أعمال العباد ترفع إلى الله مجزأة إلا في شعبان ترفع إليه توتلTotal أي مجموعة. هل كان من الضروري استخدام الكلمة الإنجليزية في خطبة دينية عامة تمجّد الذات الإلهية، وتعرف بتعاليم القرآن، الذي أنزلت آياته بلسان عربي مبين؟

ومن السخرية أن نجد الكلمات الأجنبية تنطق بها الألسنة في وسائل النقل العامة والخاصة، ويحضرني هنا ما حدث وأنا في حافلة للنقل العام أن سمعت مساعد السائق ينادي:» ونone نفر إلى البلد» فراح السائق يصححه: قل: « ون بيرسون one person ولا تقل ون one نفر». قلت لعل من الأسهل والأفضل القول باللغة العربية» راكب واحد إلى البلد»

ولم تسلم المدارس حتى رياض الأطفال من استخدام الكلمات الأجنبية، فنسمع معلمة الروضة تقول للطفل حين ينجح في نطق بعض الكلمات:» برافو» أليست كلمة أحسنت، أو أبدعت، أو ممتاز أفضل من هذه الكلمة؟ إن تكرار استخدامها يضر بحس الطفل اللغوي، ويفسد ذوقه الجمالي.

من الواضح، أن هذه الظاهرة تُظهر الرغبة لدى مجتمعنا في تقليد الأجنبي، والتماهي معه بوصفه هو من يملك القوة والنفوذ، وبيده زمام التقدم العلمي والتكنولوجي، كما يقول ابن خلدون: المغلوب يحاول تقليد الغالب ليصل إلى ما وصل إليه من تقدم وتحضر. حتى اشتهر المثل الذي يقول: « كل فرنجي برنجي» أي كل ما يأتي من الغرب فخم ومحبوب.

إن لغتنا العربية ليست قاصرة عن التعبير عن حياتنا الحاضرة وعناصر الحضارة الحديثة؛ فهي قادرة على استيعاب كثير من المفردات باللغات الأخرى، وقد واجهت هذه المسألة بالتعريب، أي إخضاع الكلمة إلى قواعد اللغة العربية وقوانينها، وكذلك بالنقل أي باستخدام الكلمات الأجنبية دون تغيير فيها، وهذا يحدث في مختلف اللغات في ما يسمى الاقتراض اللغوي، مثل الكلمات الأجنبية الحديثة: تلفزيون، راديو، سينما، كمبيوتر، إنترنت، ديمقراطية، إيديولوجيا وغيرها.

إننا إذا أردنا أن نحترم لغتنا، فليس غير التحدث بها في أي محفل أو تجمع، دون خلطها بألفاظ أجنبية؛ فهي الحاملة تراثنا الفكري والديني، وبها أنزل القرآن الكريم وهي التي تشكل شخصيتنا وهويتنا، وأي انتقاص منها هو انتقاص من كل ذلك بل فيه سلب لحريتنا وكرامتنا، وطمس لتاريخنا إن أي ضعف في اللغة إنما يتأتى من ضعفنا وهواننا، ولهذا كان المستعمرون واعين إلى أهمية اللغة في إخضاع الشعوب التي استعمروها، ففرضوا لغتهم عليها ليفصلوا الناس عن جذورهم وتاريخهم؛ فاللغة ليست كلمات وتعابير بل هي ثقافة ووعي وهوية، ومن يتخل عن لغته يفقد شخصيته، ويسهل على الآخرين الاستيلاء عليه، وعلى أهله ووطنه.