سيدي حسن، والثلاثية الأخلاقية التي تمارَس ولا تُعلَن

ساعتين ago
سيدي حسن، والثلاثية الأخلاقية التي تمارَس ولا تُعلَن

فلسفة العيش الأخلاقي في فكر سمو الأمير الحسن بن طلال المعظم: التواضع صدقاً، والحقيقة مسؤولية، والتسامح شجاعة
الأستاذة الدكتورة أماني غازي جرار
في سياقٍ دوليٍّ يتحوّل فيه العنف إلى واقعٍ مألوف، وتُختزل فيه القضايا الإنسانية الكبرى في لغة المصالح الضيقة والاصطفافات الحادّة، جاءت مقابلة سمو الأمير الحسن بن طلال المعظم على شاشة التلفزيون الوطني البلغاري، ضمن برنامج بانوراما، بوصفها لحظة تفكير أخلاقي تتجاوز منطق الحدث إلى جوهره، وتعيد طرح السؤال الإنساني الأول في زمن الاضطراب: لماذا يجب أن تتقدّم الكرامة الإنسانية على كل اعتبار آخر؟ وقد أدار هذا الحوار الإعلامي البلغاري بويكو فاسيليف، بأسلوب يقوم على الإنصات العميق، ويفتح المجال أمام فكر لا يبحث عن تسجيل موقف سياسي عابر، بل عن استعادة المعنى في عالمٍ باتت فيه الحقيقة مثقلة بالتبرير، والتسامح موضع تشكيك، والتواضع يُساء فهمه على أنه ضعف.
لم يكن الحديث عن غزة والمشرق، كما جاء في عنوان المقابلة باللغة الإنجليزية، توصيفاً جغرافياً لصراعٍ ممتد، بل قراءة أخلاقية لمأزق الإنسان المعاصر حين يُدفع إلى المفاضلة بين القيم والمصالح، وبين الكرامة والحسابات الباردة. فغزة هنا ليست مكاناً فقط، والمشرق ليس إطاراً سياسياً مجرداً، بل اختباراً حيّاً لقدرة العالم على رؤية الإنسان قبل الاصطفاف، والحق قبل القوة، والمسؤولية الأخلاقية قبل منطق الغلبة. ومن هذا المنطلق، بدا خطاب سمو الأمير الحسن خطاباً يتقدّم فيه المعنى على اللغة، ويغلب فيه التفكير الهادئ على الانفعال، ويُعاد فيه بناء العلاقة بين السياسة والأخلاق على أساس إنساني شامل.
تتجلّى في هذا الحوار رؤية فكرية متماسكة لا تقوم على استعراض القيم، بل على ممارستها بوصفها منطقاً أخلاقياً واحداً. رؤية تتأسس على التواضع كاختيار واعٍ للعيش بصدق، وعلى قول الحقيقة باعتبارها مسؤولية إنسانية لا ترفاً خطابياً، وعلى التسامح بوصفه شجاعة فكرية عالية لا علامة ضعف أو تراجع. بهذه الثلاثية المتداخلة، يقدّم سمو الأمير الحسن تصوراً أخلاقياً متكاملاً يعيد الاعتبار للإنسان في قلب عالمٍ مضطرب، ويؤسّس لموقف أخلاقي واحد لا يتجزأ.
المحور الأول: التواضع صدقاً
يقدّم سمو الأمير الحسن بن طلال المعظم في هذه المقابلة تصوراً للتواضع يخرج به من دائرة السلوك الاجتماعي أو الخُلقي الضيّق إلى فضاءٍ أخلاقي أوسع، بوصفه شرطاً للصدق مع الذات قبل أن يكون علاقةً بالآخر. فالتواضع، كما يتبدّى في خطابه، ليس إنكاراً للقيمة أو انسحاباً من المسؤولية، بل تحرّراً واعياً من وهم الامتلاك المطلق للحقيقة، ومن نزعة التفوّق الأخلاقي التي كثيراً ما تفسد الخطاب السياسي والإنساني على حد سواء.
يظهر هذا المعنى بوضوح في الطريقة التي يتناول بها سموه القضايا الكبرى، ولا سيما ما يتصل بغزة والمشرق، إذ يتجنّب لغة الادعاء، ويرفض اختزال المأساة في سرديات جاهزة أو مواقف أخلاقية متعالية. هنا يتجسّد التواضع كصدق معرفي، يعترف بتعقيد الواقع، وبحدود الفهم الإنساني، وبأن الألم لا يُقاس بالخطابات بل بقدرة الإنسان على الإصغاء لما لا يريد سماعه. هذا الإصغاء ليس حياداً، بل التزام أخلاقي عميق بالإنسان بوصفه غاية لا وسيلة.
كما يتجسد التواضع في خطاب سمو الأمير بوصفه مقاومة هادئة لمنطق التمركز حول الذات، سواء كانت ذاتاً فردية أو جماعية أو حضارية. فالتواضع هنا هو القدرة على رؤية الآخر خارج قوالب الهوية الصلبة، والاعتراف بأن العدالة لا تُبنى من موقع التعالي، بل من موقع المشاركة في المسؤولية الإنسانية المشتركة. بهذا المعنى، يصبح التواضع شرطاً ضرورياً لأي حديث صادق عن الكرامة الإنسانية، لأنه يجرّد الخطاب من نزعة الوصاية، ويعيد الإنسان إلى مركز الاهتمام.
ويتقاطع تصور سمو الأمير الحسن للتواضع بوصفه شرطاً للصدق مع الفلسفة الأخلاقية لإيمانويل ليفيناس، التي ترى أن الالتزام الأخلاقي يبدأ من الاعتراف بحدود الذات أمام الآخر. فالتواضع هنا ليس سلوكاً تزيينياً، بل موقفاً معرفياً وأخلاقياً يسبق الحكم، ويجعل الإصغاء للألم الإنساني فعلاً صادقاً لا ادعاءً أخلاقياً. بهذا المعنى، يلتقي فكر سموه مع تصور يرى في التواضع أساساً للحقيقة، لا نقيضاً لها.
إن التواضع، كما يطرحه سمو الأمير الحسن، ليس قيمة سلبية أو دفاعية، بل موقف أخلاقي فاعل، يفرض على صاحبه أن يكون صادقاً في توصيف الألم، ومتأنياً في إطلاق الأحكام، ومسؤولاً في استخدام اللغة. ومن هنا، لا ينفصل التواضع عن الصدق، بل يشكّل مدخله الأخلاقي الأول، ويمهّد لبناء خطاب إنساني قادر على قول الحقيقة دون ادعاء، وعلى الدفاع عن الكرامة دون استعلاء.
المحور الثاني: الحقيقة مسؤولية
تتجلى في خطاب سمو الأمير الحسن بن طلال، كما ورد في المقابلة، مقاربة للحقيقة تخرج بها من إطار الرأي أو الموقف إلى فضاء المسؤولية الأخلاقية. فالحقيقة، في هذا السياق، ليست ما يُقال فحسب، بل ما يُقال بوعيٍ بعواقبه، وبحساسيةٍ تجاه الإنسان المتأثر به. من هنا، لا يتعامل سموه مع الحقيقة بوصفها أداة إدانة أو وسيلة تسجيل نقاط أخلاقية، بل باعتبارها التزاماً إنسانياً يفرض الدقة، والإنصاف، وضبط اللغة قبل إطلاقها في الفضاء العام.
يظهر هذا المعنى بوضوح في تناوله للقضايا المرتبطة بغزة والمشرق، حيث يرفض الخطاب التبسيطي الذي يختزل المأساة في ثنائيات جاهزة أو سرديات انتقائية. فقول الحقيقة، كما يفهمه سمو الأمير، يقتضي مقاومة الإغراء الأخلاقي السهل المتمثل في الانحياز الأعمى، والاعتراف بتعقيد الواقع، وبأن الظلم لا يُعالج بتشويه الوقائع أو إخفاء بعض أبعادها. إن الحقيقة هنا ليست امتلاكاً، بل أمانة، وليست سلاحاً، بل مسؤولية.
كما يلفت خطاب سموه إلى أن أخطر ما يواجه الحقيقة هو توظيفها خارج سياقها الإنساني، حين تتحول إلى مبرر للعنف أو أداة لإدامة الصراع. لذلك، يربط قول الحقيقة دائماً بكرامة الإنسان، لا باعتبارها نتيجة لها، بل شرطاً سابقاً عليها. فالحقيقة التي تُقال دون وعي أخلاقي قد تُعمّق الجراح بدل أن تكشفها، وقد تُشرعن القسوة بدل أن تعريها.
وينسجم تصور سمو الأمير الحسن للحقيقة بوصفها مسؤولية إنسانية مع فكر حنّة آرندت، ولا سيما في تأكيدها أن أخطر ما يهدد الحقيقة هو فصلها عن الضمير والمسؤولية الأخلاقية. فالحقيقة، في هذا الأفق، ليست مجرد كشف للوقائع، بل التزام أخلاقي بكيفية قولها وأثرها في الإنسان. بهذا المعنى، يلتقي فكر سموه مع رؤية ترى أن الحقيقة التي تُقال بلا مسؤولية قد تتحول إلى أداة عنف بدل أن تكون أساساً للعدالة.
بهذا المعنى، يقدّم سمو الأمير تصوراً للحقيقة بوصفها ممارسة أخلاقية تتطلب شجاعة عقلية وانضباطاً قيمياً. فهي مسؤولية تجاه الضحايا، وتجاه الوعي العام، وتجاه المستقبل، لأن الحقيقة التي لا تُقال بمسؤولية قد تكون صادقة في ظاهرها، لكنها مدمّرة في أثرها. ومن هنا، يصبح قول الحقيقة فعلاً أخلاقياً لا يكتمل إلا بالمساءلة والالتزام الإنساني العميق.
المحور الثالث: التسامح شجاعة
يطرح سمو الأمير الحسن بن طلال في هذه المقابلة تصوراً للتسامح يخرج به من كونه موقفاً عاطفياً أو تسوية أخلاقية مؤقتة، إلى كونه شجاعة فكرية عالية تُمارَس في أكثر اللحظات قسوة وتعقيداً. فالتسامح، كما يتبدّى في خطابه، ليس إنكاراً للألم ولا تبريراً للظلم، بل قدرة واعية على مقاومة منطق الانتقام، وكسر الحلقة المغلقة التي يعيد فيها العنف إنتاج نفسه باسم العدالة.
ويتماهى هنا تصور سمو الأمير الحسن للتسامح بوصفه شجاعة فكرية وأخلاقية مع فكر بول ريكور، الذي يرى في التسامح فعلاً أخلاقياً بالغ الصعوبة، لا يتحقق إلا عبر الاعتراف بالأذى دون الارتهان له. فالتسامح، في هذا الأفق، ليس نفياً للذاكرة ولا تبريراً للظلم، بل قدرة شجاعة على تحرير المستقبل من أسر الكراهية. بهذا المعنى، يلتقي فكر سموه مع رؤية تجعل التسامح ممارسة أخلاقية مقاومة، لا علامة ضعف أو استسلام.
كما يتجلى هذا المعنى في طريقة مقاربة سموه للصراعات الممتدة في غزة والمشرق، حيث يرفض اختزال التسامح في خطاب وعظي منفصل عن الواقع، كما يرفض في الوقت ذاته تحويل الغضب المشروع إلى أساس دائم للفعل السياسي أو الأخلاقي. فالتسامح هنا ليس دعوة إلى النسيان، بل دعوة إلى الارتقاء فوق ردّ الفعل، وإلى بناء موقف أخلاقي قادر على حماية الإنسان من الانزلاق إلى منطق الإلغاء المتبادل. وهذه القدرة لا تنبع من ضعف، بل من شجاعة عقلية وأخلاقية تدرك أن الكراهية، مهما كانت مبرراتها، تفضي في النهاية إلى تدمير المعنى الإنساني للصراع.
كما يربط سمو الأمير التسامح بالمسؤولية التاريخية، لا بوصفه خياراً فردياً معزولاً، بل باعتباره شرطاً لإمكان العيش المشترك في مجتمعات مثقلة بالذاكرة الجريحة. فالتسامح الشجاع هو ذاك الذي يعترف بالأذى دون أن يحوّله إلى هوية، ويُقرّ بالمعاناة دون أن يجعلها ذريعة لإدامتها. وهو، بهذا المعنى، فعل مقاومة أخلاقية لمنطق القسوة، لا انسحاباً منه.
إن التسامح، في فكر سمو الأمير الحسن، هو أعلى درجات الشجاعة، لأنه يتطلب القدرة على كبح الغريزة، وضبط اللغة، وتحمّل كلفة أخلاقية في عالم يكافئ العنف أكثر مما يكافئ الحكمة. وبهذا يكتمل البناء القيمي الذي يربط التواضع بالصدق، والصدق بالمسؤولية، والتسامح بالشجاعة، في منظومة أخلاقية واحدة تُعيد الاعتبار للإنسان في قلب الصراع.
وختاماً سيدي حسن،
لم يكن ما قلته سموكم في هذه المقابلة رأياً عابراً، ولا موقفاً ظرفياً فرضته قسوة اللحظة، بل تعبيراً مكثفاً عن فكر أخلاقي متراكم، تشكّل عبر تجربة طويلة في الإصغاء للعالم والإنسان معاً. ففي زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات وتندر فيه الحكمة، جاء صوته هادئاً، واضحاً، ومسؤولاً، لا يساوم على الكرامة، ولا يتخفف من ثقل الحقيقة، ولا يختزل التسامح في خطاب إنشائي. لأن ما يميّز هذا الفكر أنه لا يفصل القيم عن ممارستها، ولا الأخلاق عن تبعاتها. فالتواضع، كما طرحته سموكم ليس انكساراً، بل صدقٌ مع الذات وحدودها. والحقيقة ليست شعاراً يُرفع، بل مسؤولية تُحمل بوعيٍ بأثرها في الإنسان. أما التسامح، فليس ضعفاً ولا تنازلاً، بل شجاعة فكرية تُقاوم منطق الانتقام، وتفتح أفقاً إنسانياً لما بعد الألم.
وبهذه الثلاثية المتداخلة، قدمتم سموكم نموذجاً للفكر الأخلاقي الذي لا ينفصل عن الواقع، ولا يستسلم له، بل يسعى إلى تهذيبه وإعادة توجيهه. إنه فكر لا يدّعي امتلاك الحقيقة، لكنه يصرّ على حمايتها من التشويه، ولا يَعِد بعالمٍ بلا صراع، لكنه يتمسّك بإمكانية عالمٍ أكثر إنسانية. وهنا، تتجلى قيمة ما قلته سيدي حسن، لا بوصفه خطاباً، بل بوصفه موقفاً أخلاقياً كاملاً.