عبد الله الثاني.. حكمة القيادة في زمن التحولات

ساعتين ago
عبد الله الثاني.. حكمة القيادة في زمن التحولات

بقلم الدكتور: خلف لافي الحمّاد

في الثلاثين من كانون الثاني من كل عام، يقف الأردنيون أمام ذكرى وطنية تتجاوز حدود الاحتفاء بالمناسبة؛ لتغدو وِقفة تأمّل في تجربة قيادة استثنائية، صنعت الاستقرار في زمن الاضطراب، ورسّّخت مفهوم الدولة العاقلة في محيطٍ إقليميٍّ بالغ التعقيد. إنها ذكرى ميلاد جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، القائد الذي اقترن اسمه بالحكمة، ورهنت سياساته أمن الوطن وازدهاره بمنطق الدولة لا بردّات الفعل.

منذ تولّي جلالته سلطاته الدستورية، تشكّلت ملامح مشروع وطني واضح المعالم، قِوامه دولة المؤسسات، وسيادة القانون، والاستثمار في الإنسان بوصفه الثروة الحقيقية للأردن. فكانت القيادة فعلًا يوميّا في الميدان، لا خطابًا موسميّا، ومسؤولية تُقاس بالإنجاز لا بالشعارات، وإرادة صلبة تحمي الثوابت دون أن تُغلِق أبواب التطوير والتحديث.

وقد آمن جلالة الملك بأن التنمية الشاملة لا تستقيم دون تعليم نوعي، وعدالة فاعلة، وحُكم رشيد، فجاءت السياسات الوطنية متسقة مع هذا النهج، واضعة المواطن في صدارة الأولويات، ومؤكدة أن قوة الدولة تنبع من ثقة شعبها بمؤسساتها، وعدالة منظومتها.

وفي المجال الإعلامي، أولى جلالة الملك اهتمامًا خاصّا بتحديث الخطاب الإعلامي، إدراكًا منه بأن الإعلام شريك أساس في بناء الوعي الوطني، وحصنٌ في مواجهة الشائعات، وحملات التضليل. فدعا إلى إعلام مِهْني مسؤول، يمتلك أدوات العصر، ويؤدي دوره في تعزيز الثقة، وحماية الحقيقة، وصون السِّلم المجتمعي، في ظل تسارع غير مسبوق في تدفّق المعلومات، والتحولات الرقمية.

أما الشباب، فقد شكّلوا جوهر الرؤية الملكية للمستقبل، إذ يؤكد جلالة الملك باستمرار أن نهضة الأردن لا يمكن أن تتحقق إلا بسواعد شبابه وعقولهم. ومن هنا جاءت التوجيهات الملَكية لتمكينهم سياسيّا واقتصاديّا، وفتح المجال أمام مشاركتهم في صنع القرار، وتحويل طاقاتهم إلى قوة إنتاج وتغيير، تسهم في بناء الدولة الحديثة.

وفي سياق متصل، يقود جلالة الملك مشروع التحديث السياسي بوصفه مسارًا إصلاحيّا متدرجًا يهدف إلى تعزيز المشاركة الشعبية، وترسيخ الحياة الحزبية البرامجية، وتطوير المنظومة التشريعية، بما يفضي إلى برلمان فاعل، وحكومات برلمانية، ضمن إطار يحفظ استقرار الدولة، ويصون وحدتها الوطنية.

وعلى الصعيد القومي، لم تحِد بوصلـة جلالة الملك يومًا عن القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. فقد شكّل موقفه الثابت والداعم لحقوق الشعب الفلسطيني ركيزة أساسية في السياسة الخارجية الأردنية، مجددًا التأكيد على حل الدولتين وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

وفي ظلّ العدوان المستمر على قطاع غزّة، ارتفع صوت جلالة الملك في المحافل الدولية؛ مدافعًا عن المدنيين الأبرياء، ورافضًا سياسة العقاب الجماعي، ومطالبًا بوقف الحرب، وضمان إدخال المساعدات الإنسانية، ومحاسبة منتهكي القانون الدولي الإنساني؛ في موقف أخلاقي وإنساني يجسّد ثوابت الأردن ودوره التاريخي. ويؤكد جلالة الملك دعمه لوقف إطلاق النار في القطاع، والانتقال إلى المرحلة الثانية التي تتضمن بدء الإعمار، وفتح المعابر، وضمان تدفّق المساعدات، وعودة مقومات الحياة إلى قطاع غزّة.

وفي ذكرى ميلاد جلالة الملك المعزز عبد الله الثاني ابن الحسين، لا يكتفي الأردنيون باستذكار المناسبة، بل يجدّدون العهد على الالتفاف حول قيادتهم الهاشمية، والمُضي بثقة في مسيرة التحديث والإصلاح، وبناء دولة قوية، عادلة، حديثة، قادرة على مواجهة التحديات وصناعة المستقبل.

حفظ الله جلالة الملك، وأدامه قائدًا حكيمًا، ودام الأردن واحة أمنٍ واستقرار، وقلعةَ صمود في وجه العواصف، وكلُّ عامٍ وقائدُ الوطنِ بألفِ خير.