د.عبدالله محمد القضاه*
على الرغم من قرع طبول الحرب ، وتسابق المحللين العسكريين في تحديد ساعة الصفر ، فإن احتمالات نشوب صراع حقيقي أبعد ما تكون عن الواقع، وهذه النتيجة يمكن التسليم بها من خلال الإجابة على العديد من التساؤلات التي سيتم مناقشتها في هذا المقال.
السؤال الأول: كيف يفكر ترامب؟ من المعروف أن دونالد ترامب يطبق سياسة الإستعراض الخشن ،إذ لايفكر كقائد حرب، بل يفكر كتاجر قوة، فهو لايؤمن بالحروب الطويلة ولا مستعدا لدفع كلفة بشرية واقتصادية مفتوحة، فقط همه: كيف يربح دون أن يدفع الثمن!.
السؤال الثاني: ماهي الرسائل التي يرغب ترامب إيصالها لإسرائيل؟ ندرك تماما أن إسرائيل واللوبي الداعم لها ؛ تضغط على ترامب لخوض حرب بالإنابة عنها لإنهاء الخطر الإيراني على وجودها، ولذلك ، لاتستطيع خوض الحرب لوحدها، وعليه؛ يحاول ترامب إقناع إسرائيل بثلاث رسائل متوازية: الأولى، أنه مستعد فعليا من خلال الحشود، التصريحات، وحاملات الطائرات وغيرها، الثانية: أن الخيار العسكري على الطاولة، فيما الثالثة، مضمونها؛ ليس الآن ، وليس بهذه السهولة، وهذا يعني طمأنة دون التورط !. وقد يتساءل البعض هنا: هل تنجح إسرائيل في جر ترامب للحرب؟ برأيي لا تستطيع ذلك ، لأن ترامب بإختصار لايقاتل من أجل الحلفاء، بل يستخدمهم كورقة ضغط. فهو يرى أن إسرائيل تريد تفويضًا أمريكيًا مفتوحًا، لكنه يريد امتثالًا إسرائيليًا للخطوط الأمريكية، أي الدعم مقابل الإنضباط.
لذلك كلما ارتفع صوت الحرب من تل أبيب، زاد ترامب من الضجيج الإعلامي دون أن يوقع شيكا عسكريا حقيقيا.
أما السؤال الثالث: لماذا يحضر ترامب للحرب؟ من تحليل سلوكه القيادي، يتضح أن ترامب كان يحضر للحرب كأداة ردع، لا كخطة قتال. لقد استخدم ما يمكن تسميته بـ”الردع بالتمثيل المسرحي” نمط من الردع يعتمد على إقناع الخصم بأن الحرب حتمية دون نية فعلية لخوضها”، وهو ما فعله على سبيل المثال مع كوريا الشمالية، بهدف رفع كلفة التصعيد على إيران دون عبور نقطة اللاعودة.
ولم تكن استراتيجية “الردع بالتمثيل المسرحي” مجرد تحليل نظري، بل تجلت بوضوح في قرارات حاسمة اتخذها ترامب. أبرز هذه المواقف كان في حزيران 2019، عندما ألغى في اللحظات الأخيرة ضربة عسكرية ضد أهداف إيرانية، كرد على إسقاط طهران طائرة استطلاع أمريكية مسيرة. هذا التراجع الدراماتيكي، الذي برره ترامب بأنه “غير متناسب” مع الفعل الإيراني لتجنب الخسائر البشرية، كشف عن جوهر سياسته: التهديد بالقوة القصوى مع تجنب استخدامها الفعلي. وبالمثل، كان قراره بالانسحاب من الاتفاق النووي عام 2018 بمثابة أداة ضغط اقتصادية هائلة، وليس خطوة أولى نحو الحرب. لقد استبدل الالتزامات الدبلوماسية بسلاح العقوبات، مؤكداً أنه يفضل خوض “حرب اقتصادية” بدلاً من صراع عسكري يستنزف موارد أمريكا وأرواح جنودها، ويهدد بتقويض صورته الانتخابية التي بناها كرئيس ينهي الحروب لا يبدأها.
الحرب الحقيقية كانت ستعني فشلاً استراتيجياً لترامب. فلو اندلعت حرب شاملة مع إيران، لكان ذلك سيؤدي حتماً إلى إغلاق المضائق، وارتفاع أسعار الطاقة، واشتعال المنطقة، مما يستنزف الولايات المتحدة لسنوات ويدمر صورته كقائد “أوقف الحروب” وينسف سرديته الانتخابية.
على الرغم من الخطاب التصعيدي وخلق توقع دائم بالمواجهة، فإن إيران لم تتعامل مع تهديدات ترامب بوصفها مقدمة حتمية للحرب، بل قرأتها ضمن منطق إدارة الصراع. فطهران تدرك أن التهديد بالقوة لا يعني بالضرورة قرار استخدامها، لذلك اتجه سلوكها إلى حذر محسوب يتجنب الاستفزاز المباشر، مع الإبقاء على أدوات ضغط كافية تمنع فرض وقائع قسرية عليها، في إطار إدارة دقيقة للصراع دون التفريط بموقعها كفاعل إقليمي مؤثر.
من خلال ما سبق، يمكن أن نخلص لنتيجة رئيسة: ترامب لم يكن يريد حرباً حقيقية، لكنه أراد أن تبدو الحرب قادمة. لقد استخدم الإيهام بالحرب للسيطرة على الجميع؛ فيبعث رسالة لإيران مفادها “أنا مستعد”، وبشكل متزامن يقول لإسرائيل “أنا أجهز المسرح، فلا تتصرفي منفردة”، فيما يخاطب العالم والداخل الأمريكي “أنا القوي الذي لا يتردد، لكني الحكيم الذي لا يُستدرج”. إنها سياسة ردع نفسية، أكثر منها عسكرية.
*أمين عام وزارة تطوير القطاع العام ومدير عام معهد الادارة العامة سابقا






