بقلم: د. عبدالله محمد القضاه*
أي مواجهة عسكرية مباشرة بين أمريكا وإيران ستكون نقطة تحول كبيرة في أمن المنطقة ككل. التداعيات لن تقتصر على الطرفين، بل ستمتد لتهدد استقرار الجميع. ومن موقع الأردن الجيوسياسي ودوره في تحقيق التوازن، نحن مضطرون لقراءة هذا المشهد بعمق ووعي، مع ربط الأمن الوطني بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي الذي نعيشه يومياً.
في السنوات الأخيرة، تعلمنا أن الحروب لم تعد تقتصر على الميادين التقليدية، فقد أصبحت حروباً متعددة الأبعاد: عسكرية، سيبرانية، اقتصادية، وإعلامية في الوقت نفسه. هذا يجبر دولاً مثل الأردن على توسيع نظرتها للتهديدات، لتشمل المخاطر غير المباشرة في المناطق الرمادية – مثل الهجمات الإلكترونية أو تصاعد التهريب والتطرف عندما تنشغل المنطقة بأزماتها.
لهذا، يجب التركيز على العمل الأمني الإستباقي وتنسيق أفضل بين المؤسسات، لحماية الحدود والعمق الاستراتيجي، بعيداً عن مجرد ردود الفعل، وبما يظهر جاهزية حقيقية لمواجهة التحديات المتغيرة دون مغامرات غير مدروسة.
من الناحية الاقتصادية، الأردن حساس جداً لأي اضطراب إقليمي، خاصة في الطاقة. فأي خلل في الإمدادات أو إرتفاع في الأسعار يضرب مباشرة تكاليف الإنتاج والنقل، ويضغط على الموازنة العامة والتضخم، فالتوترات تزيد التحديات على الاستثمار والقطاعات الحيوية مثل السياحة والتجارة، وترفع تكاليف الشحن والتأمين. كل هذا يذكّرنا دائماً أن الأمن الاقتصادي جزء لا يتجزأ من الأمن الوطني الشامل.
بناءً على ذلك، هناك سيناريوهات محتملة. إذا اتسع الصراع وأصبح مواجهة مفتوحة، فالمنطقة – والأردن معها – ستواجه ضغوطاً أمنية واقتصادية هائلة، تحتاج إدارة دقيقة لتداعياتها الاجتماعية والمالية. أما إذا بقي محدوداً أو تم احتواؤه دبلوماسياً، فهذا يتيح للأردن تعزيز دوره كعامل استقرار، مستفيداً من علاقاته المتوازنة وثقة الشركاء.
وفي سيناريو أفضل، قد تفتح التحولات الإقليمية أبواباً لتعزيز موقع الأردن كممر آمن للاستثمار واللوجستيات، وشريك في مشاريع الطاقة والنقل – بشرط أن ندير المرحلة بحكمة واستراتيجية واضحة.
التعامل مع كل هذا يحتاج مقاربة أردنية متكاملة: تعزيز الجاهزية الأمنية، تسريع تنويع مصادر الطاقة، بناء مخزون من السلع الأساسية، واستخدام الدبلوماسية الأردنية لدعم التهدئة والحلول السياسية، مع الحفاظ على استقلال القرار الوطني وزيادة صلابة الدولة.
في النهاية، سواء اندلعت الحرب أم بقيت توتراً محسوباً، فهي اختبار كبير لقدرة دول المنطقة على إدارة الأزمات. بالنسبة للأردن، النجاح يكمن في التوازن الدقيق بين حماية الأمن الوطني، الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، وتعزيز الدور السياسي الإقليمي – لنبقى نموذجاً لدولة صلبة قادرة على التكيف في بيئة معقدة جداً.
*أمين عام وزارة تطوير القطاع العام ومدير عام معهد الإدارة العامة سابقاً.






