وطنا اليوم _
بقلم : هاني الدباس
لم يعد الترويج السياحي محكوم بالأدوات التقليدية المستندة إلى المكانة الجغرافية أو السمعة التاريخية فقط، بل اصبح يحتكم إلى قدرة الجهات السياحية على قراءة التحولات الدقيقة في سلوك المسافر العالمي .. برزت اداة من شأنها تغيير كل المفاهيم هي العقل التحليلي الذي يعيد رسم خريطة الأسواق السياحية المحتملة ويكشف فرصًا لم تكن مرئية بالأساليب التقليدية .. هذا باختصار هو الذكاء الاصطناعي .
فتح افاق الأسواق السياحية الجديدة يبدأ من فهم نية السفر وليس الموقع فقط، عبر تحليل بيانات البحث والتفاعل الرقمي، مؤشرات المحتوى المستهلك، وتوقيت الاهتمام بالسفر، هنا يستطيع الذكاء الاصطناعي التنبؤ بأسواق ناشئة مستعدة لزيارة وجهات جديدة، حتى وإن لم تكن ضمن خياراتها التقليدية.
هذا التحليل يتجاوز الجغرافيا إلى الثقافة و نمط الحياة، والدوافع الشخصية والميول الخاصة للمسافر.
وتتميز القرارات الشرائية في السياحة بانها عاطفية ومبنية على الثقة والتجربة المتخيلة اما عبقرية الذكاء الاصطناعي فمن شأنها ان تمكن الجهات السياحية من بناء هذه التجربة قبل حدوثها وذلك من خلال تخصيص الرسائل التسويقية وفق شخصية المسافر واهتماماته، وتاريخه الرقمي.
فالسائح الباحث عن الاسترخاء لا يُخاطب بنفس اللغة التي يُخاطب بها السائح المغامر أو العائلي، هنا تتحول الحملات الرقمية إلى حوارات ذكية بدلًا من رسائل عامة.
ويسهم الذكاء الاصطناعي ايضاً في تقليل مخاطر دخول الأسواق الجديدة عبر الاختبار الذكي للحملات عوضاً عن مخاطر استثمارات ضخمة غير مضمونة، يمكنه إطلاق حملات تجريبية دقيقة تقيس التفاعل الحقيقي ومعدلات الاهتمام، ونقاط التردد لدى السوق المستهدف.
هذه البيانات تُمكّن من تعديل المنتج السياحي نفسه وليس فقط طريقة تسويقه، ما يخلق توافقًا أعلى بين العرض وتوقعات السوق الجديد.
استراتيجيًا، يساهم التسويق السياحي المدعوم بالذكاء الاصطناعي في إعادة توزيع التدفقات السياحية عالميًا .
ان فتح الأسواق الجديدة لا يعني فحسب، بل زيادة الزوار، وتوجيه الطلب نحو مواسم أقل ازدحامًا أو وجهات فرعية داخل الدولة نفسها، مما يدعم الاستدامة ويحافظ على الموارد الطبيعية والثقافية.
ان مهمة وديمومة فتح الأسواق السياحية الجديدة عبر الذكاء الاصطناعي انتقالًا من التسويق القائم على الافتراضات إلى التسويق القائم على الفهم العميق للإنسان قبل المسافر. الوجهات التي تنجح في هذا التحول لا تكتفي بجذب الزوار، بل تبني علاقات طويلة الأمد مع أسواق جديدة، قائمة على الثقة والتجربة، والقيمة الحقيقية.






