“الصفة القانونية الأردنية في مواجهة الاستيطان”

46 ثانية ago
“الصفة القانونية الأردنية في مواجهة الاستيطان”
كتب الدكتور. عادل يعقوب الشمايله
تشير السجلات التاريخية إلى أنّ الغالبية العظمى من أراضي فلسطين خلال الحقبة العثمانية كانت مصنّفة ضمن ما يُعرف بـ الأراضي الأميرية، وهي الأراضي المملوكة للدولة بموجب قانون الأراضي العثماني لسنة 1858. وقد شكّلت هذه الأراضي ما يقارب 70%–80% من مساحة فلسطين التاريخية.
قرار السلطنة العثمانية بالاستيلاء على  معظم اراضي فلسطين واعتبارها أراضٍ اميرية كان قرارا ظالما وخطأً تاريخيا فادحا خاصة وأنه تم في ذروة نشاط الحركة الصهيونية للاستيلاء على فلسطين تاريخ السلطنة الفاسدة بالعار.
ومع انتهاء الحكم العثماني عقب الحرب العالمية الأولى، آلت هذه الأراضي إلى حكومة الانتداب البريطاني استنادًا إلى صك الانتداب الصادر عن عصبة الأمم سنة 1922، الذي خوّل بريطانيا إدارة شؤون البلاد دون أن يمنحها حق التصرف بالسيادة الدائمة على الأرض.
وعقب انسحاب بريطانيا سنة 1948، استولت الحركة الصهيونية بالقوة المسلحة على القسم الأكبر من هذه الأراضي في المناطق التي خضعت لسيطرتها، من دون أي سند قانوني أو اتفاق دولي يجيز لها ذلك. أما الأراضي الأميرية الواقعة في الضفة الغربية فقد آلت إدارتها وملكيتها إلى خزينة الدولة الأردنية بعد إعلان الوحدة القانونية بين الضفتين سنة 1950.
غير أنّ احتلال إسرائيل للضفة الغربية في حرب حزيران/يونيو 1967 أدّى إلى وضع يدها على هذه الأراضي الأميرية المسجّلة باسم الحكومة الأردنية. إلا أن هذا الاستيلاء لا يغيّر من طبيعة الملكية، إذ إن قواعد القانون الدولي الإنساني تقرّر بوضوح أن الاحتلال العسكري لا ينقل السيادة. ومن أبرز النصوص ذات الصلة:
•المادة 43 من لائحة لاهاي لسنة 1907: تقضي بأن الدولة المحتلة لا تصبح مالكة للأراضي التي تحتلها، بل تلتزم بإدارة شؤونها مع احترام القوانين النافذة فيها.
•المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949: تحظر على قوة الاحتلال نقل سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها، وهو النص الذي يشكّل الأساس القانوني لتحريم المستوطنات الإسرائيلية.
وقد أكّدت الشرعية الدولية هذا المبدأ من خلال عدة قرارات صادرة عن مجلس الأمن:
•القرار 242 (1967): شدّد على عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة.
•القرار 338 (1973): طالب بتنفيذ القرار 242.
•القرار 465 (1980): اعتبر الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة غير قانوني ويشكّل عقبة أمام السلام.
•القرار 2334 (2016): أعاد التأكيد على عدم شرعية إنشاء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، وطالب بوقفها فورًا.
وبناءً على ما تقدّم، تظل الأراضي الأميرية في الضفة الغربية مملوكة قانونًا للخزينة الأردنية، ولا تملك إسرائيل أي صفة قانونية تخوّلها التصرف بهذه الأراضي أو إقامة المستوطنات عليها. ومن ثم فإن بناء المستوطنات الإسرائيلية يشكّل:
1.انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني.
2.مخالفةً صريحة لقرارات مجلس الأمن الملزمة.
3.اغتصابًا لحقوق الملكية العامة والخاصة الفلسطينية والأردنية.
أما فيما يتعلق بقرار فك الارتباط الصادر سنة 1988، فإنه ما زال في جوهره قرارًا إداريًا وسياسيًا، ولم يُفعل عبر تعديل دستوري في المملكة الأردنية الهاشمية، وبالتالي لا يُنشئ أثرًا قانونيًا بنقل ملكية الأراضي الأميرية المسجّلة باسم الخزينة الأردنية.
ومن ناحية أخرى، فإن السلطة الفلسطينية –رغم الاعتراف الدولي بها كسلطة ذات اختصاصات محدودة– لم تبلغ بعد مرتبة الدولة ذات السيادة بالمعنى القانوني الكامل الذي يخوّلها وراثة ممتلكات دولة ذات سيادة مثل الأردن. فقرار فك الارتباط استند أساسًا إلى قرارات القمم العربية التي أكدت على أحقية منظمة التحرير الفلسطينية بتمثيل الشعب الفلسطيني، لكنه لم يتضمّن تنازلًا أردنيًا عن الأراضي المسجّلة رسميًا باسم الدولة الأردنية في الضفة الغربية.
وبالتالي، لا تملك السلطة الفلسطينية الأهلية القانونية لوراثة هذه الأراضي حتى لو قررت المملكة الأردنية الهاشمية التنازل عنها مستقبلًا، ما لم يتم ذلك ضمن إطار قانوني وسياسي دولي واضح.
منذ قرار فك الارتباط عام 1988، والاعتراف العربي والدولي بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًا وحيدًا للشعب الفلسطيني، أصبحت السلطة الفلسطينية/منظمة التحرير هي الجهة المخوّلة سياسيًا ودبلوماسيًا بالدفاع عن حقوق الفلسطينيين في المحافل الدولية.
•غير أن هذا التمثيل لا ينشئ بالضرورة نقلًا لملكية الأراضي الأميرية من الأردن إلى السلطة الفلسطينية، لغياب أي سند قانوني أو دستوري
أما الادعاء الإسرائيلي بأن الأردن كان مجرّد سلطة احتلال في الضفة الغربية بين عامي 1948 و1967، فهو محاولة لتأسيس فرضية “الفراغ القانوني”، تمهيدًا لاعتبار الأراضي الأميرية في الضفة الغربية “أراضي بلا مالك” يمكن لإسرائيل السيطرة عليها. غير أن هذا الطرح يتعارض مع الواقع التاريخي والقانوني، إذ كانت الوحدة القانونية بين الضفتين معترفًا بها من جانب المجتمع الدولي والعالم العربي، كما أن الأردن مارس سيادة فعلية وقانونية على الضفة الغربية حتى عام 1967.
وفي سياق آخر، تعتمد إسرائيل في تبريرها لسياساتها التوسعية على روايات وأساطير توراتية تعتبر أن الفلسطينيين مجرد “سكان” على أرض لا يملكونها، وهو منطق استعماري يفتقر إلى أي سند قانوني أو شرعية دولية، ويصطدم مباشرة بمبادئ القانون الدولي وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها.
قرار السلطنة العثمانية بالاستيلاء على  معظم اراضي فلسطين واعتبارها أراضٍ اميرية كان قرارا ظالما وخطأً تاريخيا فادحا خاصة وأنه تم في ذروة نشاط الحركة الصهيونية للاستيلاء على فلسطين.