CAB

مخاطر التغير المناخي في الدول العربية.. مشاهد قاتمة تهدّد الحياة

21 يناير 2022
مخاطر التغير المناخي في الدول العربية.. مشاهد قاتمة تهدّد الحياة

وطنا اليوم:يشهد العالم، وبالأخص منطقة الشرق الأوسط، الكثير من الظروف المناخية المتناقضة، ففي حين اعتبر عام 2021 من بين أكثر الأعوام سخونة على الإطلاق، سجل فيه الشرق الأوسط وشمال أفريقيا درجات حرارة قياسية، تشهد بعض دول المنطقة درجات حرارة منخفضة، حيث سجلت مناطق في السعودية أدنى درجات منذ 30 عاما.
وسجلت حرارة الأرض ارتفاعا خلال عام 2021، ليصبح سادس أكثر الأعوام حرارة على الإطلاق وفقا لمؤشرات درجات الحرارة التي أصدرتها وكالة الفضاء الأميركية ناسا، والإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي.
بعض الخبراء في مجال الأرصاد الجوية وأبحاث المناخ يرون أن الظروف الجوية التي شهدتها المنطقة خلال الأيام الأخيرة تعد حالات فرديا مألوفة، في حين يرى آخرون أنها تعكس مستقبلا يحمل سيناريوهات “أكثر تطرفا” و”خروجا عن المألوف”.

“الظواهر المتطرفة”

ويقول مؤسس موقع “طقس العرب” والخبير في مجال الأرصاد الجوية، محمد الشاكر، إن ما يحدث اليوم هو نتيجة للتغير المناخي، منوها إلى أن مصطلح “الاحترار العالمي”، قد لا يعكس الظروف الجوية “المتطرفة” كما يجب.
وأشار الشاكر إلى أن “التغير المناخي في جزء منه ارتفاع درجات حرارة في بعض الدول وفي دول أخرى تشهد تطرفا مناخيا، وهذا لا يعني أن مناطق أخرى قد تشهد انخفاضا في درجات الحرارة”، بل يعني أنه “توجد ظواهر جوية أكثر تطرفا”.
ويرى الشاكر أن التغير المناخي يتسبب بظهور موجات برودة وحرارة على حد سواء، وأنه ليس محكوما بمناطق معينة عن غيرها، مشيرا إلى أن ” الشرق الأوسط لهذا العام متواجد ضمن مناطق الموجات الباردة”.
ويؤكد مدير قسم الحد من الكوارث في اليونسكو سابقا وخبير الكوارث الطبيعية وآثار التغير المناخي، الدكتور بدوي رهبان، أن “الاحتباس الحراري” هو المصطلح الصحيح للدلالة على آثار التغير المناخي، ويعني ارتفاع درجة حرارة الكوكب بشكل عام، وأن الكوكب ارتفعت درجة حرارته 1.2 درجة مئوية خلال الـ 30 عاما الماضية، مؤكدا أن درجات البرودة القصوى هي انعكاس أيضا للاحتباس الحراري.
ويقول رهبان، إن آخر تقرير للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ ‎IPCC، الصادر في 9 أغسطس الماضي، “وضح أن التغير المناخي أصبح يسبب عوامل أو ظواهر مناخية متطرفة، مثل العواصف والفيضانات وموجات الحر والتصحر، ويضيف “أن نسبة تكرار هذه العوامل المناخية المتطرفة ستزداد تدريجيا”.
وفي أدنى رقم يسجل بالمملكة العربية السعودية منذ 30 عاما، شهدت مدينة طريف، شمالي البلاد، الأربعاء، 6 درجات تحت الصفر، في حين ضربت موجة قطبية عددا من دول الشرق الأوسط.
وخلال العام الماضي، شهدت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ارتفاعا قياسيا في درجات الحرارة، ويقول العلماء إن المنطقة التي تعاني في الأساس من ندرة كبيرة في المياه، تشهد ارتفاعاً في درجات الحرارة يمثل ضعفي المعدل العالمي، إذ تسجل ارتفاعا بنحو 0.45 درجة مئوية كل عقد، منذ ثمانينيات القرن الماضي.
ويرى رهبان أن ما تشهده المنطقة حاليا ناجم عن “الظواهر المتطرفة”، بحيث “هناك برد أكثر في بعض المناطق، وتشهد مناطق أخرى موجات حر أكثر.
وكانت “الهيئة الحكومية المعنية بتغير المناخ” قد ذكرت *في تقرير صادر عام 2018 ، إن “تغير المناخ يؤدي إلى تغيرات في التردد والشدة والمساحة ومدة وتوقيت الطقس والتقلبات المناخية، وما يمكن يؤدي إلى تطرف غير مسبوق”.
وأكدت **الهيئة قلة الدراسات “التي تحقق في خصائص موجات الحرارة والبرودة .. مقارنة بتلك التي ترصد شدة تلك الموجات وتكرارها في الأيام والليالي الباردة والساخنة”.

أمر خارج عن المألوف؟

وقال الشاكر إن ما تشهده المنطقة حاليا في انخفاض قياسي بانخفاض درجات الحرارة “هو أمر طبيعي 100 في المئة، يحدث مرة كل عشرة أعوام، فلا يوجد هناك أمر خارج عن المألوف”، مؤكدا أن “مثل هذه الأحداث الجوية تحدث من وقت لآخر”.
ويشير إلى أنه “ما دامت حالة الطقس موجودة في السجل المناخي بشكل متكرر، أي 3 أو 4 مرات فهذا جزء من مناخ المنطقة”، لكنه استدرك قائلا: “إذا لم يكن هذا الطقس مسجلا في آخر 50 عاما فهذا موضوع آخر”، مستدلا على ما سجلته مدينة طريف السعودية، الأربعاء، قائلا: “بما أنها سجلت مرة قبل 30 عاما، فهذه ظاهرة موجودة، وهذا يعني أنها جزء من مناخ المنطقة”.
ويوضح “مثلا إن ضرب إعصار عُمان، وبحثنا في الحالات المسجلة في وقت سابق، سنجد أن السلطنة تعرضت لأعاصير من قبل، وبالتالي فإن وجود إعصار لا يعني بالضرورة أن ذلك بسبب التغير المناخي، لكن إن وجدنا أن عُمان وخلال آخر عشر سنوات تعرضت لعشرة أعاصير عند مقارنتها بالعقد السابق، فإن هذا يدل على وجود تغير، بالتالي فإن التغير يحسب وفقا لفترة زمنية معينة وليس وفقا لحالة واحدة”.
يؤيده في هذا المنطق رهبان بقوله إن الحكم على أن ظاهرة مناخية معينة مرتبطة بالتغير المناخي يحتاج إلى بيانات يتم تجميعها عبر جدول زمني معين، ويوضح: “إذا افترضنا أن باريس سجلت 12 درجة مئوية في 19 يناير، بينما عادة تكون في هذا التاريخ تكون أقل من ذلك، واستنتجتُ أن هذا الحدث الواحد ناتج عن التغير المناخي فإني سأكون مبالغا في ذلك، ومتسرعا في تحليل الأمور”.
ويوضح “لكن إذا قلت إن باريس سجلت، في يناير عام 2020، 12 أو 15 درجة مئوية بدلا من 10 درجات مثلا، ولكن ذلك تم تسجيله أيضا عام 2005 و2009.. لذا فإن هناك أمرا غير طبيعي، وإذا تكرر الأمر عام 2025، فهذا أمر متعلق بتغير المناخ”.
ويرى رهبان أن حالة واحدة لا تكفي للحكم على أنها ظاهرة تابعة للتغير المناخي، لكن عندما نشهد موجات حر وحرائق في كندا، “فإن هناك بالتأكيد أمر خارج عن المألوف، ويجب أن يثير فضولنا العلمي”، ويقول: “لا يمكنني أن أحكم أن الحالات الفردية مرتبطة بالتغير المناخي، لكن يجب علي في الوقت ذاته ألا أستبعدها”.
وكانت كندا قد شهدت موجة حر استثنائية، الصيف الماضي، تسبب بمقتل عدة أشخاص، كما وضعت الدولة عدة مواقع للتبريد ونصحت المواطنين بالتزام بيوتهم.

دول الشرق الأوسط “غير قابلة للحياة”
يقول شاكر إن هناك افتراضات عديدة لما يخص مناخ الشرق الأوسط، ويضيف “هناك سيناريوهات تتوقع أن تشهد المنطقة موجات حر شديدة قد تجعل العيش فيها صعبا”.
ويرجح الشاكر أن “زيادة التطرف المناخي هو التحدي الأكبر الذي سيواجه منطقة الشرق الأوسط، حيث ستشهد ظواهر جوية حادة ومتكررة، أهمها الفيضانات والسيول وموجات الحر وموجات البرد، هذه الثلاثة أمور سيكون تكرارها عال وقوي”.
كما أكد رهبان أيضا أن “شدة العوامل العوامل المتطرفة وقوتها ستصبح مرتفعة أكثر”، مضيفا أن بعض الولايات الأميركية، مثل فلوريدا، التي تشهد ارتفاعا نسبيا في درجات الحرارة حتى خلال فصل الشتاء، شهدت مؤخرا ثلوجا كثيفة.
ويضيف أن بعض المناطق ستشهد بالفعل شتاء قارس، في حين سنشهد خلال الصيف موجات حر غير اعتيادية، ونرى ذلك في الخليج، مثل الفيضانات التي شهدتها المنطقة قبل أسابيع.
ونوه إلى أن الظواهر المتطرفة ستواصل تطرفها تدريجيا، هذا ما نلاحظه وهذا ما ندرسه منذ سنوات والتوقعات تشير إلى أن ما نلاحظه اليوم سيزداد في المستقبل”، ووفقًا لمعهد ماكس بلانك الألماني، قد تصبح العديد من المدن في الشرق الأوسط غير صالحة للسكن فعليًا قبل نهاية القرن.
وقال جوس ليليفيلد، الخبير في مناخ الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط في معهد ماكس بلانك، لصحيفة “فورين بوليسي” في أغسطس الماضي، إن الشرق الأوسط قد تجاوز الاتحاد الأوروبي في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري على الرغم من أنه “يتأثر بشدة بشكل خاص” بالتغير المناخي.
وأضاف ليليفيلد: “في العديد من مدن الشرق الأوسط، ارتفعت درجات الحرارة بشكل كبير بما يزيد عن 50 درجة مئوية. إذا لم يتغير شيء، فقد تتعرض المدن لدرجات حرارة تصل إلى 60 درجة مئوية في المستقبل، وهو ما سيكون خطيرًا بالنسبة لأولئك الذين ليس لديهم إمكانية الوصول إلى مكيفات الهواء”.
الشاكر لا يؤيد هذه الدراسات، ويقول إنها “غير منطقية” وأنها “مجرد محاكاة حاسوبية وافتراضات، قد تكون صحيحة في نهاية المطاف، لكن لا يمكننا القول إن مناطق الشرق الأوسط لن تكون صالحة للحياة بعد 40 عاما، لأن هذه المحاكاة تحتاج أن تكون مثبتة ويجب أن نجربها حتى نتأكد من صحتها”.
أما رهبان فيؤكد أن مؤشرات الدراسات هذه تدل على أن التغير المناخي قد يسبب إلى نزوح سكان الشرق الأوسط “سيحتاجون مكيفات ليل نهار، لأن جسم الإنسان لن يتحمل” درجات الحرارة المرتفعة مستقبلا.
ويضيف الشاكر “أنا برأيي أن التغير المناخي في العالم يصب أكثر في تكرار حالات مناخية تعتبر أكثر شدة وحدة، سواء تمثل ذلك في الأمطار أو الثلوج أو الدفء، وهذا ما يجب التركيز عليه، في كيفية وضع بنية تحتية لقطاع الأرصاد الجوي في المناطق العربية”، وتوقع الباحثون أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا “ستتأثر بقوة بالاحتباس الحراري، ما قد يزيد في الظروف الحارة والجافة”، التي تتميز بها أصلا.
وذكر الباحث بييرو ليونيلو، في دراسة عام 2012، أنه، وفيما يخص منطقة البحر الأبيض المتوسط “يمكن فهم هذه الحساسية الكبيرة لتغير المناخ على أنها نتيجة لموقع المنطقة الذي يتوسط نقيضين، بين المناخ الجاف لشمال أفريقيا والمناخ المعتدل والممطر في وسط أوروبا، مما يجعلها عرضة للتحولات المناخية الناجمة عن تغير المناخ”.

“البنية التحتية”
يؤكد البرهان أنه “إجباري من الآن فصاعدا، وخاصة على الدول العربية ودول الخليج أن تتكيف مع آثار التغير المناخي، التي تعتبر حقيقة واقعة”، وذلك بإعادة النظرة في كيفية تأسيس البنى التحتية وتصميم المنازل والتنظيم المدني.
“يجب أن نغير نظرتنا وأن ننشئ كل شيء بشكل سليم”، يقول رهبان، ضاربا المثل بإعصار “شاهين” الذي ضرب سلطنة عُمان، في أكتوبر الماضي، “يجب على دول المنطقة أن تدرس من جديد بناها التحتية، بالإضافة إلى تغيير فكرة معايير البناء وتصاميمه”، وقضى 12 شخصا على الأقل في إعصار “شاهين” المداري في سلطنة عمان، متسببا بفيضانات وانزلاقات أرضية.
الشاكر شدد أيضا على أهمية تحديد دول الشرق الأوسط لـ “أولويات”، منها “كيفية حماية أرواح وممتلكات هذه المناطق، لأنها تفتقر إلى أنظمة الإنذار المبكر للظواهر الجوية الشديدة الناجمة عن التغير المناخي”.
من جهته، يرى الشاكر أن “البنية التحتية لسلطنة عُمان كان بإمكانها أن تستوعب إعصارا واحدا كل عشر سنوات في الماضي، والآن أصبحت البنى التحتية صالحة لأن تستقبل عشرة أعاصير خلال عشر سنوات، وذلك بعد الاستثمار في البنى التحتية وتطويرها لمواجهة الظواهر الجوية المتكررة والأكثر شدة”.
ويقول إن السلطنة “ضاهت دولا عالمية”، في التعامل مع آخر ثلاثة أعاصير بهذا الحجم وتلك الشدة.
ويصر رهبان على ضرورة توفير مناطق مخصصة لخزن المياه الفائضة من الأمطار والأعاصير، وتخصيص مساحات خضراء، مضيفا “الباطون يجب ألا يعود ملكا للبناء”، مشيرا إلى أهمية تأسيس مدن خضراء للتكيف مع موجات الحرارة المقبلة