CAB

المسابقات والجوائز ! هل هي تربوية ؟

5 ديسمبر 2021
المسابقات والجوائز ! هل هي تربوية ؟

       د. ذوقان عبيدات 

تكاد الجوائز تكون قيمة مشتركة بين التربويين، وهي مخلفات الماضي التربوي الذي يقوم على المسلمات الآتية :

  1. الطلبة متساوون كأسنان المشط.
  2. الحوافز الخارجية أكثر أهمية من الدوافع .
  3. التنافس ينتج أحسن ما في الإنسان.

هذه المسلمات تم فحصها في مجال الإدارة والأعمال ، حيث تحدث علماء الإدارة عن أهمية التنافس والحوافز! وربما ثبت جدواها لديهم، ولكن التربويين ساروا وفق نهج التنافس، وكعادتهم لم يفحصوا الآثار والمترتبات على هذا التنافس !

( 1 )

التنافس قيمة غير تربوية

إن الباحثين التربويين يركزون في أدبياتهم على قيم معاكسة للتنافس وهي قيم الشراكة والمشاركة ومجتمعات التعلم، والدماغ الاجتماعي. ويرون في ذلك دافعا أساسيا لنمو دماغ المتعلم، وفق شروط عمل الدماغ :

  • البعد عن التهديد، والمنافسة بكل أشكالها من امتحانات وجوائز تهديد للدماغ. والتهديد يعطل عمل الدماغ، فالطالب الخائف والقلق يمتلك دماغا مهددا، ولذلك تقل إنتاجيته .

  • والدماغ اجتماعي تزداد فعاليته حين يتفاعل مع الآخرين! هذا ما تقوله بحوث الدماغ . 

والتنافس عمل فردي ! إذن الدماغ المتفاعل اجتماعيا أكثر كفاءة من دماغ تورط في منافسة .

وعودة إلى الجوائز والمسابقات، فإنها تهديد للدماغ وإضعاف لقدرته، لذلك يميل الدماغ المهدد إلى ارتكاب حماقات لا يمكن له ارتكابها لو كان في وضع آمن ! وأدلتي :

  1. اعتادت مدارسنا على عمل معارض فنية، تعرض إنجازاتها ونتاجاتها، وكانت المدرسة تتفنن في عرض منتجات لطلبة ليست من صناعتهم . وبعلم المدرسة نفسها، كانت المعارض تضم ألبسة من صناعة أوروبية على أنها من نتاج الطالبات ! وتضم أعمالا فنية لفنانين على أنها أعمال طلابية، وبذلك قادها التنافس إلى الادعاء والتزوير المغطى رسميا .
  2. تفنن طلبة في الغش حتى يحصلوا على درجات عليا ، وليس صحيحا أن من يغشون هم الطلبة الأكثر ضعفا !! وليت الأمر يتوقف على ذلك ، فالطلبة المتنافسون في الحصول على علامات زوروا أبحاثا وتقارير نسبوها لهم، بل ضللوا زملاءهم في موضوعات كثيرة حتى يتفوقوا عليهم .

وفي مسابقات واحتفالات المدارس، يحصل المسؤولون على جوائز ودروع وكؤوس أكثر من تلك التي يحصل عليها الطلبة المستحقون!! 

ففي بيوت مديري التربية كؤوس ودروع عديدة لم يحصلوا عليها بسبب جهد أو إنجاز، بل بسبب رعايتهم لحفل ! وعلى قاعدة : من يحضر السوق يتسوق .

 إن مرافقي مدير التربية أو أي مسؤول يحصلون على جوائز ترضية أيضا قد تصل إلى مستوى جائزة المسؤول .

في حفل أقيم قبل أسبوعين، تم توزيع الدروع على النحو الآتي :

  • درع للفريق الفائز
  • عشرون درعا للمسؤول والمرافقين 

طبعا، لا أحسد المسؤولين على كؤوسهم ودروعهم، بل أنظر إلى أن الحدث التربوي قد ولد نفاقا وشكلية ، كما ولد حسرة عند جميع الطلبة الذين اعتبروا غير فائزين !!

تخيلوا مسؤولا يهدي درعا لمسؤول آخر، ثم يقوم المسؤول ” التربوي الآخر” برد الجميل وإهداء رئيسه درعا آخر على طريقة والحسنة بعشر أمثالها !!

لا أريد حساب الكلفة المادية للدروع، فهناك عشرات المحلات التجارية المنتجة لها، لكن لماذا لا توزع الدروع على جميع الطلبة المشاركين في السباق ؟

  • الدرع الكبير للفريق الفائز .
  • الدرع الثاني للفريق المشارك
  • والدرع الثالث للفريق الذي تعرض لإعاقة أو إصابة ؟؟

في المسابقات التربوية، لا نتحدث عن فائز وخاسر !بل عن فائز وفائز !! وأدبيات التربية دائما هي الوصول إلى حلول رابح – رابح . فلا خاسر في التربية ولا مهزوم في أي نشاط مُربّ أو تربوي !!

( 2 )

قيم سلبية عديدة في التنافس

في نشاط تنافسي شهير، طلبت من فريق تربوي – مديري تعليم ، بعد أن قسمته إلى خمس مجموعات ، أن تقوم كل مجموعة بجمع تسعة أشياء في خمس دقائق مقابل الحصول على مكافأة !

  • جريدة ممزقة
  • ورقة نقدية مقطوع طرفها
  • زر قميص
  • ساعة يد لا تعمل
  • هاتف دون بطارية
  • قلم مكسور
  • قميص ملوث بنقطة حبر
  • خمسة أوراق ممزوعة من دفتر
  • زجاجة ماء مختومة وفارغة 

ومع مرور الخمس دقائق كانت معظم المجموعات قد أنجزت بحماسة شديدة مهامها، وبسؤالهم كيف جمعوا هذه الأشياء تم الاعتراف :

بأنهم خربوا ، قطعوا، ولوثوا ، وكسروا ، وأهدروا !!! كان ذلك طبعا بدافع المنافسة والفوز والحصول على الجائزة !!

هذا ما يحصل في المنافسة ! لقد برمج كل منهم دماغه للحصول على الفوز، فسلك كل هذه المهالك !

لاحظا : قطعوا عملة وطنية

       : لوثوا قميصا

       كسروا قلما …..الخ

ومع ذلك، فما زلنا نعلي من قيمة المنافسة والجوائز !! لا أحد ينكر أهمية الجوائز، لكن كيف نجعلها تربوية ؟

( 3 )

جائزة تربوية

لكي تكون الجائزة تربوية، فإن المطلوب ما يأتي :

  • جائزة ليست مخصصة لفرد
  • جائزة يمكن الحصول عليها من قبل كثيرين 

وهذا يتطلب ما يأتي :

وضع معايير للجائزة، وكل طالب يحقق هذه المعايير يفوز، فقد يفوز الجميع فيها، فالجائزة حافزة لهم جميعا ، أما إذا كانت الجائزة لأفضل طالب أو طالبة ، فإن الآخرين لن يشاركوا لمعرفتهم بأنهم لا يستطيعون منافسة ذلك الطالب!!فالجوائز هنا محبطة ، كما قد يتعرض من يحصل عليها إلى حسد أو حقد من زملائه.

وقد اعتاد المعلمون على تنظيم مسابقات مثل :

  • أكثر الطلبة توفيرا في شهر
  • أكثر الطلبة نظافة
  • أكثر الطلبة تبرعا لمشروع

فهل يقول لنا أحد كيف سيتنافس طالب غني جدا مع زميل فقير في باب الادخار ! وكيف يتنافس طلبة من مستويات اقتصادية متباينة في التبرع لصندوق الفقراء؟ إنها عودة إلى إجبار السمكة أو حفزها للسباق مع العصفور في تسلق الشجرة !!

تربويا ! يتنافس الطلبة المتكافئون اقتصاديا في مسابقة اقتصادية .

ويتنافس الطلبة المتكافئون صحيا في مسابقة الركض، ويتنافس الطلبة في مواطن قوتهم، فلا منافسة بين طالبة في فريق كرة قدم وطالبة تواجه إعاقة حركية إذا كانت المسابقة في الركض ، ولكنهما قد تتسابقان في منافسة في القراءة !!

وأخيرا، يتنافس فقط المتكافئون حركيا في الرياضة والمتكافئون اقتصاديا في التوفير والمتكافئون فنيا في الفن وهكذا …

فالسمكة ليس مطلوبا منها صعود الشجرة !!

وقال العرب: إنك لا تجني من الشوك العنب !!