بنك القاهرة عمان

“التوقيف” رسالة في التوقيت الخطأ

28 نوفمبر 2021
“التوقيف” رسالة في التوقيت الخطأ

حسين الرواشدة

منذ ستة أشهر، على الأقل، لم يبق مسؤول في الدولة إلا وتحدث عن دور الشباب وضرورة تمكينهم للمرحلة القادمة، كدنا نحفظ الدرس تماما، وبدأنا نتقمص دور “الأساتذة” لتذكير أبنائنا بالمهمة التي تنتظرهم، فبلدنا مقبل على تحول تاريخي، وأبواب الأحزاب أصبحت مفتوحة للتسجيل كمطلب وطني، وما عليهم سوى الانخراط بالسياسة للمشاركة باتخاذ القرار، والخروج نهائيا من دوامة الإحباط والسواد العام.
فجأة تتحرك الحكومة بالاتجاه المعاكس، فيجد مجموعة من الطلبة الذين صدقوا الروايات الرسمية أنفسهم موقوفين في السجون بتهمة الاحتجاج ضد “إعلان النوايا”، أحدهم بعث لي رسالة يذكرني فيها بما كتبته عن “لجنة التحديث” وبوادر الانفراج السياسي، ووصايا الخروج من مستنقع الفشل الذي أراد البعض أن يغرقنا فيه، ثم سألني: أرأيت ما حدث لنا بعد أن سمعنا كلامك وأخذنا بنصائحك؟
اعتذرت للشاب، وقلت له: ما فعلته يا بني مجرد ضريبة من الضرائب التي ندفعها كرمى لعيون الوطن، وهي مصدر فخر لك ولزملائك، أصدقك أنني لا أتراجع عمّا كتبت، فأنا بحكم الخبرة والتجربة أعرف أن الطريق نحو الديمقراطية ليس مرصوفا بالورود، وبلدنا يستحق منا أن نتعب ونضحي من أجله، ربما أننا- كآباء– قصرنا في تقديم الواجب، لكن الآن جاء دوركم أنتم الشباب لتستدركوا أخطاءنا، وتنتزعوا الحرية التي تليق بكم كأردنيين، ولا تتنازلوا عنها أبدا.
تصورت وأنا أرد على الشاب، وأحاول أن أزرع فيه الأمل من جديد، أن أحد المسؤولين (الرئيس مثلا) تحرك على الفور لمقابلة هؤلاء الشباب الذين لا تزيد أعمارهم على 25 سنة، أخذني الخيال بعيدا فتصورت أن ما حدث للطلبة كان مجرد “غلطة”، وأن استدراكها بالاعتذار لهم أصبح واجبا، ولهذا ستبادر الحكومة، وكذلك البرلمان، لتنظيم لقاء مع المفرج عنهم، وتطييب خواطرهم، ثم تقديم ما يلزم من ضمانات بأن الواقعة لن تتكرر، لا معهم ولا مع غيرهم من أبنائنا، حين يعبرون عن آرائهم في قضايانا العامة.
هل سيفعلونها؟ لا أدري، ومع ذلك لا يراودني أي شك بأن رسالة “توقيف” الطلبة جاءت في التوقيت “الغلط”، وبأنها فهمت من قبل الكثير من الشباب في سياق إعادة “اللاثقة” بكل ما صدر خلال الأشهر الماضية من دعوات وتطمينات للدخول في مرحلة التحديث السياسي والاشتباك مع مخرجاتها، المسألة التي تحيرني (تؤلمني: أدق) هي: من قرر ذلك ولمصلحة من؟
ألا يحتاج بلدنا، في ظل الأزمات الخانقة التي تحاصرنا، لرسائل أخرى تمشي على الأرض، لا في الفضاء الافتراضي، تقنع الشباب أن الدولة بكافة مؤسساتها جادة فعلا بتسجيل علامة فارقة في مئوية ثانية عنوانها “التحديث السياسي”، بما يتضمنه من حريات وعدالة وأحزاب، وبرلمانات ناطقة باسم ضمير الأردنيين وطموحاتهم، ثم حكومات تمتلك قرارها، وتحترم إرادة الناس الذين منحوها الثقة؟
هذا السؤال الذي خطر ببالي، ولطالما طرحته فيما مضى، يجب أن يحرك فينا جميعا، سواء كنا على دفة المسؤولية أو نجلس في مدرجات الفرجة والمراقبة، جزءا من “الغيرة الوطنية”، لنأخذ بلدنا للمكانة التي يستحقها.
صدقوني؛ الأردنيون الطيبون الذين جبلوا تراب وطنهم بدمائهم وعرقهم، يستحقون أن نضحي من أجلهم، ونرد عليهم التحية بأفضل منها، وهم جاهزون دائما لكي ينسوا ويصفحوا ويسامحوا إذا ما استيقنت قلوبهم صدق النوايا والوعود، واطمأنوا أن دولتهم أصبحت لهم، وأنهم مواطنون حقا لا مجرد رعايا، أو أرقام في السجلات الرسمية.