السفير علي كريشان … رجل وطني بحجم الدبلوماسية الأردنية

ساعة واحدة ago
السفير علي كريشان … رجل وطني بحجم الدبلوماسية الأردنية

وطنا اليوم _

كتب: ليث الفراية

في مسيرة الدولة الأردنية، هناك رجال لا تُقاس أدوارهم بسنوات الخدمة، ولا تُختزل تجاربهم بالمناصب التي شغلوها، بل يبقون حاضرين بما تركوه من أثر، وما رسّخوه من صورة تليق باسم الأردن في المحافل الدولية ومن بين هذه النماذج، يبرز اسم السفير علي كريشان، الذي أنهى محطة دبلوماسية مهمة، لكنه لم يُنهِ حضوره، لأن من يعمل بصدق لا يغادر الذاكرة الوطنية.

بدأ كريشان مسيرته في وزارة الخارجية وشؤون المغتربين عام 1991، في وقت كانت فيه الدبلوماسية الأردنية تتعزز بثبات، وتبحث عن رجال يمتلكون القدرة على التمثيل الحقيقي للدولة، لا الاكتفاء بالشكل. ومنذ بداياته، لم يكن دبلوماسيًا عاديًا، بل كان يحمل فهمًا عميقًا لطبيعة العمل الخارجي، قائمًا على التوازن بين الثوابت الوطنية ومتطلبات الواقع الدولي.

تنقّل بين عدة محطات دبلوماسية، من الإمارات إلى ليبيا والمغرب، حيث اكتسب خبرة واسعة في إدارة العلاقات الثنائية، وفهم خصوصية كل ساحة عمل، وهو ما انعكس لاحقًا في نضج أدائه، وقدرته على تمثيل الأردن بثقة واتزان في مختلف البيئات السياسية.

وعندما تولى مهامه سفيرًا للأردن لدى أستراليا عام 2016، دخل مرحلة مختلفة من العمل الدبلوماسي، تتطلب حضورًا نوعيًا يتجاوز الإطار التقليدي، خاصة في دولة بعيدة جغرافيًا، لكنها ذات أهمية استراتيجية على مستوى العلاقات الدولية وهناك، لم يكن كريشان مجرد ممثل رسمي، بل كان صوتًا أردنيًا حاضرًا بفاعلية، يعمل على تعزيز العلاقات الثنائية، وتوسيع آفاق التعاون في مختلف المجالات ولعل ما يميز تجربته في أستراليا، أنه لم يكتفِ بإدارة العلاقة بين الحكومتين، بل لعب دورًا محوريًا في تنشيط العمل العربي المشترك، حيث شغل منصب عميد الدبلوماسيين ورئيس مجلس السفراء العرب، وهو موقع يعكس ثقة زملائه به، وقدرته على قيادة العمل الجماعي بروح دبلوماسية ناضجة، تجمع بين الحزم والمرونة.

وفي ذات السياق، كان قريبًا من الجاليات العربية، وفي مقدمتها الجالية الأردنية، مدركًا أن الدبلوماسية لا تكتمل دون بعدها الإنساني، وأن المواطن في الخارج هو امتداد لوطنه، وصورة له فكان حاضرًا في تفاصيلهم، داعمًا لقضاياهم، ومؤمنًا بأن السفارة ليست مجرد مؤسسة رسمية، بل مساحة وطنية خارج الحدود.

لم يكن كريشان من أولئك الذين يفضلون الظهور، بل من الذين يراكمون الإنجاز بصمت، ويؤمنون أن العمل الحقيقي يُقاس بنتائجه لا بضجيجه لذلك، استطاع أن يُدير ملفات معقدة بهدوء، وأن يحقق حضورًا أردنيًا متزنًا يعكس صورة الدولة التي يمثلها، دولة تقوم على الاعتدال، والاحترام، والانفتاح.

ومع انتهاء مهمته وعودته إلى مركز الوزارة عام 2023، قد يبدو للبعض أن مسيرة قد أُغلقت، لكن الحقيقة أن التجارب العميقة لا تنتهي، بل تتحول إلى رصيد وطني يُبنى عليه فالدبلوماسي الذي ينجح في ترسيخ علاقات قائمة على الثقة، ويعكس صورة مشرفة لوطنه، يبقى أثره ممتدًا، حتى بعد مغادرته الموقع.

إن الحديث عن علي كريشان هو حديث عن نموذج دبلوماسي أردني أصيل، يجسد معنى أن تكون ممثلًا لوطنك، لا بوصفها وظيفة، بل كمسؤولية أخلاقية ووطنية حيث رجل جمع بين الخبرة الطويلة، والرؤية الهادئة، والحضور المتزن، ليقدم صورة تليق بالأردن في مختلف محطاته.

تبقى الحاجة قائمة لمثل هذه النماذج، رجال يعرفون كيف يصنعون الفرق دون صخب ، وكيف يحافظون على هيبة الدولة دون تعقيد، وكيف يغادرون مواقعهم تاركين خلفهم أثرًا لا يُمحى.

علي كريشان ليس مجرد سفير أنهى خدمته، بل تجربة دبلوماسية متكاملة، تؤكد أن القيمة الحقيقية لأي موقع لا تكمن فيه، بل في من يشغله، وكيف يتركه بعد أن يغادره.