الاستقلال فكرة مستمرة وليس حدثا تاريخيّا منتهيًا

60 دقيقة ago
الاستقلال فكرة مستمرة وليس حدثا تاريخيّا منتهيًا

بقلم: الدكتور خلـف الحمّــاد

 الأردن.. هذا الاسم الذي يُشار إليه بالبنان، عاش وقاسى ليبقى قويّا منيعًا على مرّ الزمن. فعندما نتحدث عن المملكة الأردنية الهاشمية، فإننا نتحدث عن تاريخٍ مشرّف، ومسيرةٍ مباركة حافلة بالمواقف الشجاعة والحازمة على مختلف المستويات والأصعدة.

  دعونا ننظر إلى استقلالنا هذه المرة من منظورٍ مختلف، بعيدًا عن التمجيد التقليدي؛ منظورٍ يستلهم من الماضي العريق أصالة الأردن وقوّته في تحقيق المستحيل، والتقدّم بخطىً ثابتة، ويقيّم الحاضر الأردني ويتغنّى بإنجازاته المتتالية التي من شأنها بناء مستقبل أبنائه بهمّةٍ واقتدار. فلا نختزل الاستقلال في حدثٍ تاريخيّ، أو خطاباتٍ عاطفيةٍ حماسية، بل نفهمه بوصفه عمليةً مستمرة تُقاس بقدرة الدولة والمجتمع على تحقيق السيادة الفعلية في القرارات والمواقف، وتجسيد الكرامة الوطنية كما ينبغي أن تكون، والنهوض بمفهوم التنمية ليغدو مفهومًا مستدامًا نسعى عن طريقه إلى تحقيق التميّز على مختلف المستويات.

 ومن هنا، فإن الاحتفاء بالاستقلال ينبغي ألّا يقتصر على استذكار الإنجازات الماضية، بل يجب أن يتحوّل إلى لحظة مراجعة وطنيّة نتساءل فيها بجرأة: إلى أيّ مدًى نمتلك استقلالنا الاقتصاديّ والمعرفيّ والإعلاميّ؟ وهل استطاعت الدولة تحويل الاستقلال السياسي إلى تنميةٍ، وعدالةٍ وفرصٍ حقيقية للمواطن؟ وفي هذا السياق، قدّم الأردن شواهدَ عديدةً على الجهود السياسية التي تبذلها الدولة، ومن أبرزها الإصلاحاتُ السياسيةُ المستمرة، وتعزيز الحياة الحزبية، وإطلاق حملات توعوية لترسيخ أهمية المشاركة السياسية والانخراط في العمل الحزبي، الأمر الذي انعكس بصورةٍ مباشرة على تنشيط الحياة السياسية وتحسين المشاركة الانتخابية، وهي رؤيةٌ ملَكية تستند إلى إيمانٍ راسخ بأهمية التحديث السياسي، وتعزيز دَور المواطن في صناعة القرار.

   إن الأوطان لا تتقدّم بالشعارات وحدها، بل بقدرتها على بناء الإنسان، وترسيخ الثقة، وتحقيق الاكتفاء، وتعزيز حضورها في ميادين العلم والتكنولوجيا والإبداع؛ لذلك، فإن المعنى الأعمق للاستقلال اليوم يتمثّل في الانتقال من التحرر من السيطرة الخارجية إلى القدرة على صناعة القرار، وبناء مستقبلٍ مستقل قادر على مواجهة تحديات العصر بثقةٍ وكفاءة. وهكذا هو الأردن، يواصل سعيه للارتقاء بأدوات تمكينه سياسيّا واقتصاديّا واجتماعيّا؛ بلدٌ يمتلك مقومات القوة والإنتاج والتأثير على الصعيدين الإقليمي والعالمي، ويبني مجتمعًا قادرًا على لعِب دورٍ محوريّ في التفكير الحرّ وصناعة المعرفة، لا استهلاكها فحسب. ويتجلّى ذلك بوضوح في الاهتمام المتزايد بالدراية الإعلامية والمعلوماتية، والخطوات الرائدة التي قطعها الأردن في هذا الميدان حتى اليوم.

  ونتغنّى اليوم بالاستقلال بوصفه مسارًا وطنيّا مستمرّا لإثبات القدرة على الصمود وصناعة القرار في بيئةٍ إقليمية شديدة التعقيد. فالأردن، رغم محدودية موارده الطبيعية، وكثرة التحديات السياسية والاقتصادية المحيطة به، استطاع عبر عقود أن يبني نموذجًا للدولة المستقرة القادرة على الحفاظ على مؤسساتها وهُويتها الوطنية وسط تحولاتٍ إقليمية متسارعة. غير أن مفهوم الاستقلال اليوم لم يعد يقتصر على البعد السياسي فقط، بل أصبح يرتبط بقدرة الدولة على تعزيز استقلالها الاقتصادي، وتطوير منظومتها التعليمية والمعرفية، وترسيخ أمنِها الرّقْمي والإعلامي في مواجهة التأثيرات العابرة للحدود.

  ويحق للأردن أن يحتفي باستقلاله. كيف لا وهو يسعى بكل طاقاته وموارده إلى تمكين الشباب، وتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات، وتوسيع مساحة المشاركة، وتحويل التحديات الاقتصادية إلى فرصٍ للنهوض والتحديث؟ كما أن الحفاظ على الاستقلال في العصر الرّقْمي يفرض على الأردن تعزيز سيادته المعلوماتية والإعلامية، وتطوير خطابٍ وطنيٍّ عقلاني قادر على مواجهة الشائعات والاستقطاب والتأثيرات الخارجية. وبذلك يصبح الاستقلال قيمةً حيّة تُمارَس يوميّا عبر العمل والوعي والإنتاج، لا مجرد مناسبة تُستعاد فيها الذاكرة الوطنية فحسب.

  إننا نعوّل على أردننا — وحًقَّ لنا أن نعوّل عليه — في المُضِيّ نحو مزيدٍ من الازدهار والرفعة، فهذا هو الاستقلال الحقيقي. وقد سطّرت القيادة الهاشمية المظفرة عبر العقود دروسًا راسخة في الحكمة والثبات والإرادة، وقادت الأردن نحو مساراتٍ من التحديث والإنجاز، بما يجعل الوطن أقرب إلى الصورة التي نحلم بها ونطمح إليها.

   فالاستقلال ليس محطةً نتوقف عندها مرةً كلَّ عام، بل مسؤولية وطنية متجددة يحملها الجميع؛ دولةً ومؤسساتٍ وأفرادًا. وهو لا يكتمل إلا حين يتحوّل الانتماء إلى عمل، والوعي إلى مشاركة، والطموح إلى إنجاز. وعندما يؤمن الأردني بأن له دورًا حقيقيّا في بناء وطنه، وصون مكتسباته، يصبح الاستقلال أكثرَ رسوخًا، وتغدو الدولة أكثرَ قدرةً على مواجهة المستقبل بثقةٍ واقتدار.

حمى الله وطننا الغالي، وشعبنا العظيم، وأدام علينا نعمة الأمن والأمان والاستقرار، ودوام التقدم والازدهار، وحفظ حامي الاستقلال عميد آل البيت الأطهار جلالة الملك المعزز عبدالله الثاني ابن الحسين المفدّى.