المهندس خالد بدوان السماعنة
ثمانون عاماً من الاستقلال.. ليست مجرد رقمٍ يُطوى على تقويم الزمن، بل هي ملحمة بقاء واختبار تاريخي عسير لدولةٍ وُلدت في أكثر أقاليم العالم اضطراباً، وكُتب عليها في كل عقدٍ أن تعيد صياغة معجزة صمودها.
لم يكن الأردن يوماً دولةً تدللها الجغرافيا، ولا حرسَته وفرة الموارد، ولا أسندَ ظهره فائضٌ اقتصادي يصنع الاستقرار بالمجان. على العكس تماماً؛ لقد نبتت هذه الدولة من قلب الصخر، وفي بيئة إقليمية عاصفة بالحروب والانكسارات. ومع ذلك، شقّ الأردن طريقه واثقاً، محولاً مؤسساته إلى قلاعٍ صلبة تمنع الفوضى من أن تصبح قدراً.
وهنا يتجلى جوهر الاستقلال الأردني الاستثنائي: إنه ليس مجرد وثيقة أُعلنت، بل هو عبقرية التوازن؛ والقدرة الفريدة على ترويض الأزمات دون انحناء، والحفاظ على كبرياء الدولة واستقرارها في خارطةٍ كثيراً ما ابتلعت الضعفاء.
ثمانون عاماً، والأردنيون يدفعون ضريبة الموقف والموقع معاً؛ يتقاسمون لقمة العيش مع اللجوء، ويواجهون شحّ الماء والطاقة، ويصدّون بصدورهم عواصف الإقليم.
ورغم كل هذا الصخب، لم يكن الأردن يوماً كياناً عابراً، ولم يتشقق جدار مجتمعه؛ لأن البنيان قام على أكتاف مؤسسات راسخة، ووعي شعبي عميق، وعقدٍ وطني وجداني جعل الثقة بين القيادة والشعب ميثاقاً غليظاً لا تهزه الرياح.
لكن، ولأن الاستقلال حياة متجددة، فإن الاحتفال الحقيقي لا يكون بالانكفاء على أمجاد الماضي، بل بامتلاك الشجاعة لاقتحام أسئلة المستقبل.
الأردن اليوم يقف على عتبة مرحلة جديدة؛ لا يواجه فيها تحدي الحدود والسياسة فحسب، بل تحدي بناء الاقتصاد المنتج، وإطلاق طاقات الشباب، وتطوير التعليم والتحول الرقمي، وصناعة غدٍ يواكب العالم المتسارع.
إن الاستقلال ليس لحظة محنطة في الذاكرة، بل هو مشروع نهضة مستمر. والدول العظيمة لا تُقاس بقدرتها على النجاة فقط، بل بقدرتها على تحويل النجاة إلى تنمية، والاستقرار إلى إبداع، والانتماء من عاطفة إلى طاقة بناء.
في ذكرى الاستقلال الثمانين، ربما يكون أصدق ما يُقال عن الأردن:
أنه لم يدّعِ يوماً أنه دولة بلا أخطاء، لكنه يملك الكبرياء بأنه الدولة التي لم تسقط رايتها يوماً وسط العواصف.
وهذه، في حسابات التاريخ والرجال، هي البطولة الحقيقية.
دمت يا أردن بخير






